ما بين أحمد وأحمد..

ملحمة تسعة قرون.

في سفر آداب الأمم، تضيء أحيانا مصادفات تهمس بإشارات قدرية، كأنما الكون يرسل لطائف إيماءاته. ولعل من أبهى هذه اللطائف في تاريخنا الأدبي ما يمكن أن نسميه “ظاهرة الأحمدين”، حيث تتكرس روائع الشعر عبر تسعة قرون تحت مظلة اسم واحد: أحمد. لئن تأملت خارطة الشعر العربي الطويلة، لتجد قمتين شاهقتين، تفصل بينهما حقب من الزمن، تحملان الاسم نفسه: فالأول هو أبو الطيب المتنبي، أحمد بن الحسين، عملاق العصر العباسي وكل العصور والذي صقل سيوف الكلام وملأ الدنيا حكمة وفخرا. والآخر هو أمير الشعراء في العصر الحديث، أحمد شوقي، الذي بعث روحا جديدة في جسد القصيدة العربية. وكأنما القدر أراد أن يكمل العقد الفريد، فزاد بينهما قمتين: عاشق الأندلس أحمد بن زيدون، وفيلسوف الشعراء الرهين أحمد بن عبد الله المعري. أربعة أسماء متحدة، يروون بأشعارهم قصة الشعر العربي كله، ويقفون كأعمدة شاهقة لروح اللغة عبر ألف عام. أحمدنا الأول هو المتنبي، الشاعر الذي رأى الكون منطويا في ذاته، وصاغ من كبريائه ملاحم تتحدى الزمن. لغته متعالية كالنسور، تنحت من صخور الفلسفة والمشاعر العاتية. إنه صوت الإنسان في أعلى ذروات طموحه: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم وحتى حين تخور القوى، تخرج الحكمة من أضلع الألم: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم ثم نمضي غربا إلى أحمد الثاني، ابن زيدون، في رحاب قرطبة المزهرة. هنا يتحول الشعر من صليل السيف إلى نشيد العاشق، ومن فخر الذات إلى حنين الروح. هو شاعر اللحظة الضائعة والذكرى المتألقة، خلد حب ولادة في أبيات تذوب رقة وشوقا: أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا إنه يسكب روح الأندلس في قوالب الشعر، فيقول مستحضرا جمال الزهراء: إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا نعود شرقا، إلى معرة النعمان، حيث ينتظرنا أحمد الثالث، أبو العلاء المعري، رهين المحبسين: العمى والبيت. لقد كان شاعرا تجلى فيه الفيلسوف الحزين الذي يسبر أغوار الوجود بعقل جبار. لغته دقيقة كالمشرط، تجسد تشاؤمه العميق وتساؤلاته الجريئة: غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد وراء كل هذا التشاؤم، كان ثمة عقل يبحث عن الحق، وقلب يشفق على الإنسان وحده في الكون: تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد وأخيراً، نصل إلى أحمد الرابع، أحمد شوقي، في القاهرة الحديثة. لم يكن فيلسوفا منعزلا ولا عاشقا متيما، بل كان أمير الشعراء الذي يعيش نبض أمته. لغته متدفقة كالنيل، عذبة كأغاني الأطفال التي كتب لهم. إنه شاعر “الـ نحن” بامتياز: سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق وقد وعى شوقي تراث من سبقوه، فاستلهم المتنبي في الفخر (حول الأنا إلى نحن)، وعارض ابن زيدون في الحنين (حول الشوق الشخصي إلى وطني)، ورد على المعري (حول التشاؤم إلى تفاؤل إيماني). لقد جمع خيوط الكبرياء والحب والفلسفة في نسيج واحد، مضيفا إليه أبهة العصر واتساع الإنسان. هكذا يتكامل عقد الأحمدين الأربعة: المتنبي (القوة والكبرياء)، ابن زيدون (الحب والحنين)، المعري (الفلسفة والشك)، شوقي (الأمة والاخلاق). لعل تكرار الاسم “أحمد” – الذي يعني “الأكثر حمدا” – في هؤلاء العمالقة، هو نفحة من نفحات الجمال الخفية التي تمنحها اللغة لأبنائها. ليست القصة مفاضلة، بل هي احتفاء بعبقرية امتدت عبر القرون، بدأت بـ “أحمد”، وانتهت بـ “أحمد”، أربعة يحملون الحروف الأربعة. ولكي أكون صريحاً معك تماماً، أيها القارئ العزيز: نعم، أنا أحمد! ولكن دعني أطمئنك فوراً: لست أحاول أن أتسلل خلسة إلى هذا النادي الشعري الفاخر باسمي فقط. فمكاني الطبيعي – كما أرى –أتطلَّع من النافذة بإعجاب. و اكتفي بأن أكون ‘أحمد’ القارئ، ‘أحمد’ المُعجب، ‘أحمد’ الذي وجد في اسمه ذريعةً ممتعةً للكتابة اليوم. وإذا كان هذا المقال جولة في التاريخ فأني أهديكم جولة أخرى، وهي لـموسيقار بارع أسمه “أحمد”، أحمد فؤاد حسن. أسماها “جولة حول العالم”.