موضوع الحب، في جوهره، ليس قانوناً واحداً ولا تجربة قابلة للتعميم. هو أقرب إلى مساحة مفتوحة للاختيار، حيث يمكن للمرء أن يأنس بصورةٍ منه، من دون أن يخاصم سواها. فليس للحب شريعة نهائية، مهما حاول بعض الشعراء أن يمنحوا تجاربهم الخاصة صفة العموم، كما في قول الكيذاوي: شَرَعَ الحبُّ لَهُ ما شَرَعا فَبَكى خوفَ النوى وافتَجعا أو كما يذهب شاعرنا الشعبي، حين يموّه القانون بالعاطفة، ويجعل من الدلال أصلاً في التشريع: الحب سنّه والحبايب شريعه والخل في شرع المحبين دلّوع لكن الحب، حين يُستدعى في التجربة الإنسانية، لا يتبدّى لنا في كل مرة إلا من زاوية واحدة، كأننا لا نرى منه سوى وجهٍ واحدٍ في كل حالة. صورة تتغيّر بتغيّر الحالة النفسية والعاطفية، أشبه بموشورٍ زجاجيّ تتبدّل ألوانه تبعاً للضوء الساقط عليه. ولهذا ظلّ الحب أكثر الموضوعات مراوغةً، وأشدّها استعصاءً على القبض النهائي، سواء في الشعر أو في الغناء. فاللغة، عند اكتمال التجربة ودفء الاستجابة، تميل إلى الشطح الصوفي، وتبالغ في تضخيم العاطفة والرجاء. أمّا حين تخفق التجربة، أو تتعثّر في الوصول، فإن اللغة نفسها تتبدّل؛ تصبح أكثر فلسفة، وأكثر ميلاً إلى الشكوى والعتاب ومحاولة الفهم. ويصحّ عند هذا الحدّ قول إميل سيوران إن «حباً يخيب، هو محنة فلسفية، تمتلك من الثراء ما يتيح لها أن تصنع من حلاق نظيراً لسقراط». ومن هنا، لا يعود الحب عقيدةً واحدة، ولا تجربةً مكتملة البنود، بل مساراً إنسانياً متعدّد الوجوه، تتنوّع صوره بتنوّع من يعيشونه. ننتقي منه ما يلامس حالاتنا، ويواسي ارتباكاتنا، ويمنح مشاعرنا شكلاً يمكن احتماله. ومن هذا الأفق تحديداً، يمكن الاقتراب من تجربة الشاعرة ثريا قابل؛ لا بوصفها “كاتبة أغنيات ناجحة”، بل بوصفها شاعرة للحب في تقلباته الإنسانية كافة. الحب عندها ليس حالة مثالية، ولا بطولة عاطفية، ولا ادعاءً للامتلاء الدائم، بل هو شعور متحوّل، يظهر لنا في كل مرة من زاوية مختلفة، كما لو أننا نرى في كل أغنية قمة جديدة من جبل واحد، فيما يبقى معظمه غاطساً في الأعماق. في نصوصها المغنّاة، يبدو الحب أحياناً شوقاً يخلخل الكيان، ويعيد ترتيب العالم من موضع الحبيب. لا تطلب فيه الشاعرة أكثر من أن تُرى الدنيا من داخل عيني الآخر، وأن يصبح الحضور وحده كافياً لتبرير الوجود. تقول، وقد بلغ بها الشوق حدّ التماهي الكامل: «حطني جوا بعيونك شوف بيا الدنيا كيف أحلا من شوقي وجنونك لما اجيلك يوم ضيف… والله واحشني زمانك جلستك حضنك حنانك» هنا لا يعود العالم فضاءً خارجياً، بل مرآة داخلية، ولا يعود الشوق نقصاً، بل امتلاءً يفيض حتى يهزّ الكيان. وحين تبلغ الرغبة هذا الحدّ، يصبح الهروب من العالم ممكناً، بل مستساغاً، لا بوصفه رفضاً للحياة، بل بحثاً عن حياة أكثر صدقاً: «ودي أشيلك وأسافر وأترك العالم وأهاجر حتى تعرف لجل عينك قد إيه أقدر أخاطر». ثم لا يلبث هذا الحب أن يعود في صورة أخرى أكثر التباساً: حيرة الرجوع بعد الفراق، حين يأتي الحبيب متأخراً، محمّلاً بالندم، فتجد الذات نفسها معلّقة بين الرغبة والامتناع. هنا لا تمنحنا ثريا قابل إجابة أخلاقية جاهزة، ولا نهاية مريحة، بل تترك الصراع مفتوحاً كما هو في الحياة نفسها: «جاني الأسمر جاني وافتكر زماني بعد ما نساني جاني … شفت دمعة في عينه تقل لي لا تقسى عليه الهوى ما له أمان ده حبيبك مهما كان». حتى الدموع لا تُستخدم بوصفها حيلة عاطفية، بل كاختبار قاسٍ للذاكرة: هل نعود لأننا نريد، أم لأن القلب، رغم كل شيء، لا يزال يعرف طريقه القديم؟ ويبلغ التردّد ذروته حين تعترف الذات بعجزها عن الحسم: «سرت وقلبي في صراع بين رغبة وامتناع ماني داري أعمل إيه أرجع لحبه ولا إيه؟». وفي صورة أخرى، يعود الحب بوصفه بداية دائمة، كأن التجربة الجديدة تمحو ما قبلها، لا لأنها أقوى بالضرورة، بل لأنها أكثر حضوراً. يصبح الإحساس الأول هو الإحساس الوحيد، ويُعاد تعريف الزمن العاطفي من جديد: «كأني عمري ما حبيت كأنك أول إحساسي إذا شفتك أنا حنيت وأداري بعشقتك راسي» هنا لا يُقدَّم الحب كامتلاك، بل كحالة انتماء كامل، تتماهى فيها الذات مع شعورها إلى حدّ الذوبان، حتى يصبح الغياب نفسه معياراً للفرح والحزن: «يصير الكون كله سعيد وعني تغيب يغيب عيدي». لكن ذروة الصدق في تجربة ثريا قابل تظهر حين تعترف بعجز اللغة ذاتها عن مواكبة ما يشعر به القلب. فالحب، حين يبلغ حدّه الأقصى، لا يعود قابلاً للوصف. يصبح التفكير في المحبوب فعلاً كافياً، ويغدو الصمت أصدق من البوح: «آه لو أقدر أوصف لك شعوري … إيش فيه أكثر من دا كله؟ مافي أكثر! والكلام كل الكلام ما يعبر ما يكفيني في هواك». هنا تتوقف اللغة عند تخومها، وتترك الإحساس يتكلم وحده. الحب لا يُقال، بل يُعاش، ولا يُشرح، بل يُلمح إليه، كشيء يعرفه القلب دون حاجة إلى تفسير. وفي رثاء شاعرتنا الفقيدة ثريا قابل، لا يمكن فصل هذه التجربة الغنائية الواسعة عن ريادتها الشعرية الأولى، حين كانت أول سعودية تنشر ديوانها بالشعر الفصيح. تلك الريادة لا تُذكر للتفاخر، بل لفهم المسار: شاعرة امتلكت أدوات الفصحى، لكنها اختارت، بوعي أو بحدس، أن تمضي إلى حيث يصل صوتها إلى الناس مباشرة، إلى الأغنية، إلى الوجدان الجمعي، إلى الحياة اليومية. كأنها أدركت مبكراً أن الشعر لا يُقاس فقط بما يضيفه إلى المكتبة، بل بما يتركه في القلوب. لهذا بقيت نصوصها - رحمها الله - حيّة، لا لأنها كُتبت لتكون خالدة، بل لأنها كُتبت لتكون صادقة. لم تُنظّر للحب، ولم تُقنّنه، ولم تدّعِ امتلاكه، بل عاشته في صوره المتعددة، وتركته يمرّ عبر صوتها كما يمرّ عبر البشر جميعاً: مرة شوقاً، مرة حيرة، مرة فرحاً، ومرة عجزاً عن الكلام. وفي هذا بالضبط تكمن فرادتها، وسبب حضورها المستمر، حتى وهي تودّعنا.