بين السيرة والمسيرة والشهادات والمقالات ..
القشعمي والعبداللطيف يوثقان سيرة الموصلي “عاشقة فلسطين”.
عندما نتحدث عن الفن التشكيلي، تتزاحم في أذهاننا أسماء عالمية نالت قدرًا كبيرًا من الاهتمام والاحتفاء، حتى أصبحت المرجع الأول لهذا النوع من الفن. في المقابل، كثيرًا ما يغيب عن الذاكرة جانب عربي مشرق، صنعه روّاد أسهموا في تشكيل الوعي البصري والثقافي في مجتمعاتهم، وتركوا أثرًا لا يقل عمقًا عمّا تحقق في تجارب عالمية أخرى. الالتفات إلى هؤلاء الروّاد غالبًا ما يبدأ من لحظة وعي أو تجربة ثقافية تفتح باب التساؤل وتقود إلى البحث. وفي كثير من الأحيان، تأتي لحظة الوعي هذه عبر عمل فني يعيد ترتيب الأسئلة ويوقظ الذاكرة من جديد. مؤخرًا، شاهدت فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، وهو عمل يعيد فتح واحدة من أكثر اللحظات كثافة في التاريخ الفلسطيني الحديث: الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاستعمار البريطاني. لا يتعامل الفيلم مع الحدث كمادة تاريخية جامدة، وإنما يقدّمه كحياة تحت الضغط، حيث يتقدم الإنسان العادي إلى الواجهة بخياراته الصعبة، وخوفه، وتردده. بعيدًا عن الخطاب المباشر، يترك الفيلم للصورة والإيقاع أن يقولا الكثير، ويعيد طرح فلسطين كقضية عربية مستمرة في الوجدان. وقد حظي الفيلم بدعم صندوق البحر الأحمر للثقافة والفنون، في إطار الجهود السعودية لدعم المشاريع السينمائية والثقافية. هذا الإحساس لم يتوقف عند حدود الفيلم. في اليوم التالي، وبمصادفة لافتة، وصلني كتاب «منيرة الموصلي… عاشقة فلسطين» من تأليف محمد القشعمي وعبداللطيف العبداللطيف. كان الكتاب امتدادًا طبيعيًا لما أثاره الفيلم من أسئلة؛ فتح الفيلم الفكرة، والكتاب وضعها في سياق إنساني وفني أكثر قربًا، بعيدًا عن الشاشة وأقرب إلى التجربة الشخصية. يتنقل الكتاب بين السيرة والمسيرة والشهادات والمقالات ليقدّم صورة متكاملة للفنانة التشكيلية منيرة الموصلي، بوصفها إحدى رائدات الفن التشكيلي في السعودية وصوتًا إنسانيًا ارتبط فنه بموقفه. ولدت موصلي في مكة المكرمة عام 1952م، ومنذ دراستها للفنون الجميلة في القاهرة، ثم حصولها على دبلوم التصميم في الولايات المتحدة، وصولًا إلى عملها التربوي والفني، كانت منيرة حاضرة في المشهد التشكيلي، مشاركة في معارض داخل السعودية وخارجها، ومساهمة في دعم الفنانات الشابات وخلق مساحات للفن والحوار. ما يميزه التوثيق المهني الذي يرتكز على البعد الإنساني في شخصية منيرة. فكانت تلامس القضايا من موقع المراقب، كإنسانة عاشت مؤازِرة للقضية الفلسطينية والأرض العربية المحتلة كجزء أصيل من وعيها وموقفها. ويظهر ذلك جليًا في المقدمة التي أعدها الأستاذ محمد القشعمي والذي ذكر فيها علاقته بالفنانة الموصلي ونشاطها الخارجي والداخلي وتنظيمها للعديد من المعارض التشكيلية التي تتحدث عن فلسطين وشعبها مثل:(معرض من أجل أطفال غزة) والذي نظمت وزارة الثقافة والإعلام ممثلة في وكالة الشؤون الثقافية معرض «من أجل أطفال غزة» بمقر النادي الأدبي بالرياض عام 2009م. وكما يتضح ذلك الاهتمام بهذه القضية في المقالات المذكورة في الكتاب، ومنها ما كتبه الأستاذ عبد الله العبدالمحسن الذي أشار إلى الهموم الوطنية والقومية التي حملتها منيرة على عاتقها، وفي مقدمتها قضية فلسطين، والتي كرّست لها جانبًا واسعًا من نشاطها وإبداعها الفني، باعتبارها همًّا ثابتًا ومبدأً راسخًا. وشهادة بدرية علي في مقالها «عاشقة فلسطين»، حيث تقدم منيرة كشخصية كرست حياتها لقضية واحدة. لم تشتت اهتمامها بين مسارات متعددة، بل جعلت فلسطين محورًا ثابتًا انعكس على علاقاتها ومشاركاتها العامة وحتى تفاصيل حياتها اليومية. كما تقول بدرية عنها: “كل مساهماتك ترجمت مواقفك الثابتة من القضية. أنت العاشقة للأرض التي تزرع فوقها أشجار الزيتون وترسم على رمالها أماني شعب ضحى كثيرًا بأرواح ودماء أبنائه”. كما كتب عبداللطيف العبداللطيف في نصه التأبيني بعد وفاتها أنها لم تكن مجرد فنانة، وإنما إنسانة متفاعلة مع محيطها، تتلبسها هموم الآخرين وأفراحهم، تحمل على عاتقها قضية فلسطين، وتفرح لفرحة طفل فلسطيني أو سعادة امرأة عجوز في المخيمات. الفن عندها وسيلة للتعبير عن الروح والهم الإنساني. ويضيف صالح الصويان بعدًا شخصيًا لهذه الصورة، حين يصف علاقتها بفلسطين كالتزام طويل لم يتغير، وحضور دائم في كل موقف أو نشاط، حتى في لحظات المرض والتعب. فلقد تعرف عليها أثناء دراسته الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية. وأشار إلى أن حياتها ونشاطها كله كان مكرس لقضية فلسطين وقضايا الفقراء والمهمشين. كانت تتقطع ألماً لما آلت إليه أوضاع الشعب العربي الفلسطيني، ولم تترك أي مناسبة لنصرة فلسطين إلا وكانت في مقدمة الصفوف. كانت بحق إنسانة منتمية لقضايا الوطن والعروبة، وتمتلك قلبًا يتسع لكل المحرومين أينما كانوا. مع كل صفحة، يزداد وضوح الفكرة التي يدافع عنها الكتاب: الفن عند منيرة الموصلي لم يكن منفصلًا عن موقفها، ولا زينة ثقافية، بل وسيلة تعبير صادقة عن انحياز إنساني وقومي. التجربة الفنية جزء من حياة عاشت ما آمنت به. في الختام، يمكن القول إن كتاب «منيرة الموصلي… عاشقة فلسطين» لا يقدّم سيرة فنانة فقط، إنما يوثّق تجربة إنسانية كاملة. نجح القشعمي والعبداللطيف في تقديم عمل يستحق القراءة، لمن يهتم بالفن التشكيلي والعمل الثقافي، ولكل من يرغب في الاقتراب من سيرة امرأة جعلت من الفن موقفًا، ومن فلسطين قضيتها الملحمية الراسخة لاستعادة أرضها المحتلة.