في فيلم الحياة الرهيبة والرائعة حول حياة المخرج ليني ريفنستال ..
حين تُستثمر الحاجة إلى النصر .
في عام 1803 هزم نابليون جيوش الرايخ (١) الألماني الأول، الإمبراطورية الأولى التي استمرت ألف سنة سقطت فجأة، وتقسمت ألمانيا إلى 39 دويلة هشة، وأهين الألمان إهانة تاريخية. لكنهم نهضوا مجددًا وهزموا نابليون في معركة لايبزغ، ومع ذلك اتفقوا على عدم إعادة الإمبراطورية، والاكتفاء بالحكم الذاتي للولايات المجزأة. و في 1848 اجتاحت أوروبا ثورات شيء يسمى بالتاريخ “الربيع الأوروبي”، التي كان محركها الأساسي التحولات الصناعية التي نزعت الفلاح من أرضه ورمته في المصانع، مما سبب أزمة غذائية كبرى. فكل أمة أوروبية في كل دولة طالبت بشيء، الحرية، العدالة الاجتماعية، الحقوق السياسية، إلا الألمان، كانوا مختلفين و طالبوا بشيء واحد فقط الوحدة. و عندما بدأت رائحة الوحدة تنتشر وتفوح بين الألمان، وأصبح إخراس صوت الشعب الذي يريد الوحدة مستحيلًا، صعد سياسي مغمور اسمه أوتو فون بسمارك (٢). بيسمارك نجح بهندسة ثلاث حروب كبرى ضد الدنمارك، النمسا، ثم فرنسا، وفي عام 1871 دخل باريس فاتحًا، وأعلن في قصر فرساي قيام الرايخ الثاني. ونجح بسمارك بتحقيق الحلم الذي طالبت به الجماهير، وانتصر في كل حروبه، لكنه ترك ألمانيا معزولة ومكروهة في أوروبا، وهي العزلة التي رأى المؤرخون أنها الشرارة الأولى للحرب العالمية الأولى، التي بدورها مهّدت للحرب العالمية الثانية. ثم جاءت الحرب الكبرى (٣) التي هُزمت فيها ألمانيا، وأُجبرت على توقيع معاهدة فرساي التي مثّلت إذلالاً تاريخياً للأمة الإلمانية. خرج الألمان من الحرب الأولى لا بخسارة سياسية فحسب بل بجراح نفسية أعمق من هزيمتهم أمام نابليون، يصف المؤرخ زيغفريد كراكاور المجتمع الألماني (٤) حينها بأنه كان جائع ومتلهف لقائد يعيد له النصر، فكان هتلر هو من التقط هذه الحاجة الجماعية وركب موجتها. هنا تبدو المفارقة تاريخية جميلة، بسمارك الذي انتصر يقدس، وهتلر الذي هُزم يُلعن، مع أن الاثنين جسدا المنطق ذاته، استثمار حاجة الأمة إلى النصر، الفرق أن أحدهما انتهى بانتصار والآخر بانكسار، النصر يغسل الذنوب، والهزيمة لا تستر صاحبها. وهذا يعيدنا إلى سؤال هايدغر عن الفن والحقيقة، وإلى كاميرا ريفنشتال، فهايدغر يرى أن العمل الفني يفتح عالم ويؤسس أرض، لكن ريفنشتال استخدمت عدستها لتفتح عالم مشبع برغبة النصر، جسد رياضي مثالي، مسيرة جماعية صارمة، زعيم يتصدر المشهد كمنقذ ومسيح مخلص للجماهير. إيمان شخصيات كبيرة وفلاسفة معتبرين بإيدولوجيا عنصرية مثل النازية،له سبب معتبر وهو أنهم رأوا بالنازيين رغبة حقيقية في رد الكرامة الإلمانية. ولأن المجتمع الإلماني كان بحاجة لأي أنتصار، وحاجتهم كانت ملحة جدًا، ما اضطر النازيين لابتزاز كبار المخرجين والفلاسفة للانضمام إليهم، ابدًا، ولكنهم انضموا إليهم طوعًا لأنهم رأوا فيهم شيئاً مفتقداً. وترويج الفيلسوف مثل هايدغر لهذه الأفكار وتطبيقها عن طريق المخرجة ليني ريفنشتال ماهو إلا تعبير عن حاجة الإلمان للنصر. الفن هنا لم يكشف الحقيقة بقدر ما صاغها على صورة الحاجة الجماعية، حاجة الأمة إلى نصر يغطي على كل جوع وذل وانكسار. هذه الحاجة للنصر هي ما يجعل الجماهير تعيد تعريف الإرهاب والمقاومة، نغض الطرف عن سجل دموي حين يتوهم الناس أنه انتصار، ونحتقر تجربة أخرى لأنها انتهت بهزيمة. كما غُفِر لبسمارك لأنه أدخل الألمان باريس، ولُعن هتلر لأنه خرج منها مهزومًا، كذلك يغفر الناس اليوم لمن يمنحهم لحظة انتصار رمزية، حتى لو كان تاريخه ملطخًا. ، وما يثبته تاريخ ألمانيا، هو أن الحاجة إلى النصر قد تبتلع الأخلاق والفكر والفن، مـــا يطرحـــه فيلـمRiefenstahl النصر وحده يكفي ليحوِّل الاستبداد إلى بطولة، والهزيمة تكفي لتجعل البطولة إرهاباً. ———— هوامش ١ “الرايخ كلمة إلمانية تعني الإمبراطورية، وفي التاريخ كان هناك ثلاث أريخة او امبراطوريات ألمانية” ٢ “ من سخرية الأقدار أن بيسمارك كان من أشد المعارضين للوحدة، ولكن عندما أصبح صوت الرغبة بالوحدة أعلى من أن يتم اسكاته، استغله هذا السياسي المحنك وصعد به إلى السلطة، لا لإيمانه بالوحدة، لكنه لم يكن يريد التيار الليبرالي والشيوعي الذي تصدروا المشهد بذلك الوقت هم من يقودون الوحدة الإلمانية القادمة” ٣ “مصطلح كان يطلق على الحرب العالمية الاولى قبل لا تصير الاولى ويصير فيه ثانية” ٤ “ أنظر لكتاب ( من كاليغاري إلى هتلر: تاريخ نفسي للفيلم الألمان)”