جليس المتنبي.

هل لدى المتنبي شاغل الناس في عصره “ أنام ملء جفوني عن شواردها*** ويسهر القوم جرّاها ويختصمُ” وقت كي يقرأ كتاباً من 400 صفحة أو أكثر؟ ما الذي يا تُرى استهوى شاعرنا الفذ أبا الطيب من فنون المعارف والآداب وعذب الكلام كي يقول “ وخير جليسٍ في الزمانِ كِتابُ”؟ تداعى الى ذهني مثل تلك الأسئلة وأنا أتخيل الكتاب الذي عناه أبو الطيب فقلتُ في نفسي وأنا أعيش بعزلتي الصقيعية في بلاد الفرنجة “ هل كتاب المتنبي الذي عاش فقط (50) عاما ما بين ولادته (915 م) وحتى وفاته (965م) هو الكتاب الذي نعرفه حالياً بمعناه ومبناه و(تتزين) به مكتبات الناس في بيوتهم، مع الأخذ بالاعتبار أن الطباعة في خطواتها الأولى البدائية أول ما ظهرت في عام 1450 حينما اخترع الألماني (الهير) غوتنبرغ أول آلة للطباعة. إن كان كتاب المتنبي الذي لا نعرف ماهيته والذي قد اعتبره خير جليس قد كُتِبَ بخط اليد وربما على جلد مدبوغ فهل كان متوافرا بين أيدي عامة الناس لينصح بمجالسته؟ على أي حال لا يعني كلامي هذا التشكيك في كتاب المتنبي الذي ينصح برفقته، ولكنني وجدت للحكاية مدخلاً يليق بموضوع القراءة. معظمنا يُعجب ويمُجّد (الخواجات) وشغفهم بالقراءة واهتمامهم بالاطلاع حيث نسمع عنهم وبعضنا رآهم رؤيا العين نساءً ورجالا صغارا وكبارا وهم يقرأون سواء أكانوا في محطات القطار، المطارات، أو حتى وهم يتسدحون حول المسابح أو على الشواطئ وفي الطوابير الطويلة وهذا ما جعل القراءة أمراً معتاداً وممارسة طبيعية في حياتهم. لا ريب بأن الذي يقرأ ليس فقط يركن الى خير جليس حسب تعبير كبيرنا المتنبي، بل يُعتبر كمن سافر وعايش تجارب لم يمر بها بذاته إنما من خلال ما يُروى له فيما يقرأ. شخصياً اكتشفت ذاتي ليس بما أكتب وأدون من أفكار، ولكن من كل حرف قرأته في حياتي. لندن