في خضمّ المشهد السينمائي العالمي، يبرز فيلم “وداعاً جوليا” للمخرج السوداني محمد كردفاني، كوثيقة إنسانية جريئة تتغلغل في عمق جرح تاريخي طالما ظلّ مغيباً أو مُبسَّطاً في الروايات الرسمية. يُقدّم الفيلم الذي يُعتبر أول إنتاج سوداني يُختار للمنافسة في قسم “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي، مقاربةً فريدة لمرحلة ما قبل انفصال جنوب السودان عبر عدسة الشخصي والعائلي، محوّلاً الصراع السياسي الشاسع إلى دراما إنسية مكثّفة تدور في أروقة بيت واحد. إنّ قوة هذا العمل لا تكمن في سرد أحداث الانقسام فحسب، إنما في تشريحه لميكانيزمات الكذب، والذنب، والعلاقات الهرمية التي تُشكّل الأساس الاجتماعي لهذا الانقسام. تدور حبكة الفيلم في الخرطوم خلال الفترة الحرجة بين عامي 2005 و2011، لترصد تحوّلات المجتمع السوداني نحو المصير المجهول. تبدأ الدراما بحادث صادم لمنى “إيمان يوسف” المرأة الشمالية التي تعيش حياة مترفة لكنها بائسة في زواج من أكرم”نزار جمعة” تتسبّب بدهس طفل صغير وتهرب، وعندما يطاردها والد الطفل، تكذب على زوجها وتدّعي أن جنوبياً يطاردها، ليقتل أكرم والد الطفل بدم بارد. هذه اللحظة المؤسّسة للفيلم هي استعارة بالغة الدقة عن كيفية تحوّل الخوف الفردي والكذبة الصغيرة، بفضل بيئة مشبعة بالعنصرية والاستعلاء، إلى جريمة كبرى تُغذّي دوامة العنف. شعور منى بالذنب يدفعها لاستدراك الأمر بطريقتها: البحث عن أرملة القتيل، جوليا “سيران رياك”، وتوظيفها كخادمة في منزلها وترعى طفلها. وهكذا تُبنى العلاقة المركزية للفيلم على أساس هشّ من الذنب والإحسان الكاذب، لتعكس العلاقة الأوسع بين الشمال والجنوب، القائمة تاريخياً على اختلال عميق في القوة والتمثيل. يتميّز سيناريو كردفاني، وهو مهندس طيران سابق تحوّل إلى صانع أفلام، بقدرة لافتة على بناء شخصيات معقدة ترفض التبسيط. منى ليست بطلة تقليدية؛ هي ضحيّة وزوجة قمعية في الآن ذاته، تعيش في قفص الذكورة والامتياز الشمالي، وتستخدم كذبها كآلية للبقاء النفسي، مما يجعل تعاطف المشاهد معها متقلباً. في المقابل تمثّل جوليا صورة الجنوب المهمّش والمقاوم بصمت؛ فهي تدخل بيت منى وهي تبحث عن زوجها المفقود، وتتقبّل العمل معتمدة على كبرياء وصبر صامتين، لتبدأ تدريجياً باكتساب وعيها وقوّتها. أما شخصية أكرم، الزوج الشمالي، فتتجسّد فيه بقسوة أيديولوجيا الهيمنة الشمالية، حيث يُقدّم تبريرات دينية وعرقية للاستعلاء، في حوارات تكشف كيف تُحرّف الثقافة والدين لتكريس التمييز. عبر هذه العلاقات المتشابكة، ينجح الفيلم في تحويل المنزل إلى مسرح مصغّر للصراع القومي، حيث تعكس الديناميكيات بين السيدة والخادمة، والزوج والزوجة، والطفل الشمالي الذي لم يُرزقا به، والطفل الجنوبي دانيال، كلّ التناقضات المجتمعية. على المستوى البصري، يتبنى الفيلم أسلوباً كلاسيكياً واضحاً لكنه مؤثر، يعتمد على التصوير القريب من الشخصيات لنقل حالاتها النفسية المضطربة. ويستخدم المخرج الرمزية بذكاء، كما في مشهد تحرير منى للعصافير من قفصها، تعبيراً عن حنينها لحريتها المسلوبة وعن رغبتها في التحرر من أعباء الذنب والكذب. كما أنّ الموسيقى التصويرية، التي سُجّلت في الخرطوم خلال الاحتجاجات المدنية، تدمج أغانٍ شمالية وجنوبية، لتصبح خلفية عاطفية توحّد مأساة الشعبين المنقسمين. أما النهاية فتُعتبر من أقسى مشاهد الفيلم وأكثرها بلاغة، حيث يكتشف الطفل دانيال الحقيقة، ليحمل السلاح ويمسك بصورة والديه، في مشهد يُلخّص انتقال العدوى من جيل إلى جيل. لا يخلو العمل من بعض النقاط التي أثارت النقد، فبعض المشاهدات أشارت إلى أن شخصية جوليا بقيت أقلّ تطوّراً مقارنة بمنى، كما أن العلاقة بينهما تطورت أحياناً بسرعة قد تبدو مصطنعة للبعض. إلا أن هذه الهفوات الطفيفة تُغتفر في سياق عمل طموح يُحاول التوفيق بين سرد درامي شخصي معقد وبين تصوير لوحة تاريخية ضخمة. لقد جاء “وداعاً جوليا” 2023 في توقيت مُوجع، حيث عُرض في مهرجان كان متزامناً مع اندلاع حرب أهلية جديدة في السودان في أبريل 2023، هذا التزامن المُفجع أعطى الفيلم صدىً أشبه بالنبوءة، وجعل من دعوته للمصالحة والاعتراف بالذنب الجماعي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. الفيلم في جوهره، هو محاولة لفهم كيف تنقسم الأوطان: بالمدافع، والكلمات، والنظرات، والأكاذيب الصغيرة التي نبني عليها استقرارنا الوهمي. إنه مرآة تضعنا وجهاً لوجه مع السؤال الأكبر: أيّ كذبة نعيشها اليوم، قد تُغذّي انقسام غدٍ؟