لمدينة جدة عروس البحر الأحمر، رموزها في مختلف مجالات الإبداع، والشاعرة والإعلامية ثريا قابل التي انتقلت إلى رحمة الله يوم 4 فبراير الجاري بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 86 عامًا، هي واحدة من رموز جدة الثقافية حيث لقبت بـ «شاعرة الحجاز»، وكانت إحدى ركائز الأغنية الحجازية. ارتبط اسمها بأحد أقدم شوارع جدة التاريخية، وهو شارع قابل الذي تسمى باسم عائلتها، ولا شك أن قصائدها التي غناها كبار الفنانين مثل فوزي محسون ومحمد عبده وطلال مداح، ستبقى شاهدة على شعرها الذي سطرته بلهجتها الجداوية بأسلوب رشيق يلامس القلوب والوجدان، بعد أن كانت أول امرأة سعودية تصدر ديوانًا شعريًا بالفصحى باسمها، دون الاستتار خلف اسم مستعار. ثريا محمد عبدالقادر قابل من مواليد جدة التاريخية، وتحديدًا في بيت قابل وهي أسرة تجارية معروفة وكانت ولادتها في حارة المظلوم عام 1940م، وولدت لأم تركية تزوجها والدها في إسطنبول، وبعد أن تلقت تعليمها الأولي في جدة، رافقت ثريا أسرتها إلى لبنان في رحلة علاجية لوالدها الذي فقدته وهي في الثامنة عشرة من عمرها، فتولت عمتها عديلة رعايتها وكان لها دور كبير في دعم ميولها الأدبية وصقل شخصيتها. وواصلت ثريا بعدها تعليمها في لبنان فتخرجت من الكلية الأهلية الثانوية في بيروت، وهناك تفتحت ملامح شاعريتها وتعرفت على فضاء ثقافي واسع، أسهم في تكوين تجربتها الشعرية والعملية، حيث نشرت بعض قصائدها في صحف مثل (الحياة والأنوار). وفي سن الثالثة والعشرين، أصدرت ثريا قابل ديوانها الأول الذي أسمته “الأوزان الباكية” وكانت قصائده بالعربية الفصحى، ومع أن الديوان واجه المنع في البداية، إلا أن الملك فيصل -رحمه الله- أجازه فصدر في لبنان عام 1963م، لتصبح أول شاعرة سعودية تصدر ديوانًا باسمها الصريح. تغنى بقصائدها فنانون كبار وارتبط شعرها في البداية بالفنان فوزي محسون رحمه الله الذي غنى الكثير من كلماتها في توأمة فنية مميزة، ومن أشهر تلك الأغنيات «من بعد مزح ولعب» و«حبيّب يا حبيّب» و«يا من بقلبي غلا»، وغنى الراحل طلال مداح من أشعارها أغان مثل «اديني عهد الهوى» و«تمنيت من الله» و«بشويش عاتبني بشويش»، أما محمد عبده فغنى من كلماتها «لا لا وربي» و«واحشني زمانك» و«جيت على بالي»، ولطارق عبدالحكيم أغنيات مثل «احكم وكلك نظر» و«جاوزت حدك»، وشدت الفنانة عتاب بأغنية «جاني الأسمر جاني» و«من فينا يا هل ترى»، كما تغنى بقصائدها ابتسام لطفي «ما عشقت غيرك» وتوحة «راعينا ولا تكبر»، وغنى لها الفنان كاظم الساهر أغنية «يا راعي الود» عام 2014م. وللراحلة ثريا قابل محطات إعلامية متعددة، حيث كانت تشرف على صفحة اسمها “النصف الحلو” في جريدة «البلاد»، ثم انتقلت إلى «عكاظ»، وكتبت في صحيفة «قريش» المكية وفي صحيفة «الرياض» وفي «الأنوار» اللبنانية في حقبة الستينات، وحررت زاوية أسمتها «حواء كما يريدها آدم»، وصولًا إلى تأسيس مجلة «زينة» التي تولت رئاسة تحريرها بين عامي 1986 و1987م. لقبت ثريا قابل بالعديد من الألقاب ومنها “صوت جدة” و”خنساء القرن العشرين” و”شاعرة الحجاز” وغيرها من الألقاب، وتم تكريمها في العديد من المناسبات حيث نالت جائزة رواد المجتمع عام 2002، وكرمت في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) عام 2005، إضافة إلى وسام أرزة لبنان، تقديرًا لإسهاماتها الشعرية ودورها الثقافي. التعزي: مرحلة كاملة من تحوّل الأغنية الحجازية عن رحيل الشاعرة ثريا قابل، خص الأستاذ عبدالله التعزي “اليمامة” بهذه الكلمات: “رغم أنها لحظة فقد حزينة جدًا بالنسبة لي ولكن في لحظةٍ كهذه، لا يصلح الرثاء أن يكون خبرًا، ولا المقال أن يكون سردًا معلوماتيًا باردًا. رحيل ثريا قابل يحتاج كتابة تشبهها: كتابة تمشي على مهل، وتلتفت للذاكرة، وتستدعي الصوت قبل الصورة، والإنسان قبل الإنجاز، والحميمية قبل التوثيق. لم تكن ثريا قابل اسمًا عابرًا في تاريخ الأغنية السعودية، بل كانت منعطفًا. كانت تلك النقلة الصامتة التي لا تعلن نفسها، لكنها تغيّر الطريق كله. حين نكتب عنها اليوم، فإننا لا نكتب عن شاعرة فقط، بل عن مرحلة كاملة من تحوّل الأغنية الحجازية من فضاء الدانات المغلقة إلى أفقٍ أرحب، أكثر جرأة، أكثر ذاتية، وأكثر قربًا من الإنسان المعاصر دون أن يخون جذوره. وُلدت ثريا في جدة، في بيتٍ يعرف البحر جيدًا، ويصادق الأزقة القديمة، ويستمع للرواشين وهي تتنفس هواء المساء. هذا المكان لم يكن خلفية محايدة في حياتها، بل كان شريكًا في التكوين. جدة لم تسكن قصائدها بوصفها مدينة، بل بوصفها إحساسًا: انفتاحًا، انتظارًا، تردّدًا بين البوح والكتمان. لذلك جاءت كلماتها مشبعة بالشجن، وبالضوء، وبذلك الحنين الذي لا يعرف إن كان يتجه إلى الأمس أم إلى القلب. منذ بداياتها، بدت مختلفة. لم تكن تكتب لتُرضي الذائقة السائدة، ولا لتكرّس شكلًا جاهزًا للأغنية. كانت تكتب كما لو أنها تهمس لشخصٍ واحدٍ، ثم تكتشف لاحقًا أن هذا الواحد هو جمهور واسع، وجد نفسه فجأة داخل النص. لغتها لم تكن معقّدة، لكنها كانت دقيقة. بسيطة، لكنها غير ساذجة. قادرة على أن تقول الكثير بأقل عدد من الكلمات، وقادرة على أن تترك فراغًا مقصودًا ليملأه المستمع بتجربته الخاصة. حين أصدرت ديوانها الأول «الأوزان الباكية» في بيروت عام 1963، كانت تخطّ خطوة جريئة في زمن لم يكن سهلًا على المرأة أن تعلن صوتها الشعري بهذا الوضوح. لم يكن الديوان مجرد تجربة فنية، بل كان إعلان حضور. حضور امرأة تكتب الشعر دون أن تختبئ خلف اسم مستعار، ودون أن تطلب إذنًا من أحد. وبعده جاءت دواوين أخرى مثل «مذكرات عاشقة» و«أنفاس الليل»، لتؤكد أن الصوت الذي ظهر لم يكن طارئًا، بل مشروعًا مكتمل الملامح. لكن التحوّل الأعمق في مسيرتها كان حين دخلت الأغنية. هناك، تحديدًا، اكتشفت ثريا أن الكلمة يمكن أن تعيش حياة أخرى حين تُغنّى. لم تتخلَّ عن شاعريتها، لكنها أعادت ترتيبها لتخدم اللحن، وتفتح له مساحات للتنفس. الأغنية عندها لم تكن قصيدة مختصرة، بل كائنًا مستقلًا، له منطقه الداخلي، وإيقاعه، وضرورته الشعورية. كتبت كلمات أغنيات أصبحت جزءًا من الذاكرة السمعية السعودية والخليجية. من بعد مزح ولعب، يا من بقلبي غلا، بشويش عاتبني، واحشني زمانك، جاني الأسمر جاني… وغيرها من النصوص التي لا تزال تتردد، لا لأن الألحان جميلة فقط، بل لأن الكلمات صادقة، ولأنها كُتبت من مكانٍ يعرف الحب، ويعرف الخسارة، ويعرف الانتظار الطويل الذي لا يصرخ. تعاملها مع الملحنين والمطربين لم يكن علاقة عمل تقليدية، بل شراكة وجدانية. كانت تعرف متى تترك مساحة للصوت، ومتى تضغط بالكلمة، ومتى تكتفي بإشارة خفيفة تغيّر المعنى كله. لذلك غنّى كلماتها كبار الفنانين، ليس لأنها سهلة، بل لأنها عميقة دون ادّعاء، ومفتوحة على تأويلات متعددة. على المستوى الإنساني، كانت ثريا بعيدة عن الأضواء الصاخبة. حضورها هادئ، وكلماتها تفعل ما لا يفعله الضجيج. أتذكرها جيدًا في عام 2012، حين كنت مديرًا لجمعية الثقافة والفنون بجدة، ونحن نرتّب احتفالية تكريم الفنان الكبير فوزي محسون. كان من الطبيعي أن تكون ثريا جزءًا من هذا الحدث، فالعلاقة بينهما لم تكن فنية فقط، بل علاقة ذاكرة مشتركة. اعتذرت عن الحضور، لكن اعتذارها لم يكن غيابًا. سجّلت كلمة صوتية، أُذيعت ضمن الفيلم الوثائقي عن فوزي محسون، وكانت تلك الكلمة كافية لتملأ القاعة. لم تكن كلمة رسمية، بل حديث قلب، حمل وفاءً نادرًا، وأعاد تعريف معنى المشاركة. في تلك اللحظة، أدركت أن ثريا لا تحضر بجسدها فقط، بل بصوتها، وبصدقها، وبقدرتها على أن تكون حاضرة حتى في الغياب. إلى جانب الشعر والأغنية، كان لها حضور صحفي وثقافي مهم. كتبت في الصحف، وترأست تحرير مجلة «زينة»، وكانت مقالاتها امتدادًا لصوتها الشعري، لكن بوعي اجتماعي وثقافي واضح. لم تكن تكتب لتصادم، ولا لتجامل، بل لتقول ما تراه ضروريًا، بهدوء يشبهها، وبثقة لا تحتاج إلى رفع الصوت. ما يميّز ثريا قابل حقًا أنها لم تفصل يومًا بين حياتها وكتابتها. لم تكتب شخصية غير التي عاشت بها، ولم تعش حياة تناقض ما تكتبه. لذلك جاءت كلماتها متماسكة، غير متكلّفة، وغير مصطنعة. حين تتحدث عن الحب، تشعر أنها عرفته بكل تناقضاته. وحين تكتب عن الفقد، لا تشك أنك أمام تجربة حقيقية، لا استعارة لغوية. رحيلها يترك فراغًا لا يُملأ بسهولة. ليس لأن الساحة تخلو من الأصوات، بل لأن بعض الأصوات حين تغيب، تأخذ معها نبرة كاملة، زاوية رؤية، وطريقة خاصة في التعامل مع الكلمة. ثريا كانت واحدة من هؤلاء. كانت تمثّل جيلًا انتقل بالأغنية من الجماعي الموروث إلى الذاتي المعاصر، دون أن يقطع الحبل مع الأصل. اليوم، ونحن نودّعها، لا نملك إلا أن نقول إن ما تركته أكبر من أن يُختصر في قائمة أعمال أو تواريخ. تركت إحساسًا. تركت طريقة في الكتابة. تركت معيارًا صامتًا لما يمكن أن تكون عليه الأغنية حين تُكتب باحترام للإنسان الذي سيستمع إليها. رحلت ثريا قابل، لكن صوت كلماتها لم يرحل. لا يزال في الأغاني التي نسمعها فجأة في لحظة حنين، في كلمات نرددها دون أن ننتبه أننا نحفظها منذ سنوات، وفي ذلك الشعور الخفي بأن هناك من كتب يومًا ما ما كنا نعجز عن قوله. رحمها الله، بقدر ما أعطت، وبقدر ما تركت فينا من أثر لا يزول. رحمها الله رحمة واسعة وأسكن روحها الجنة. إنا لله وإنا إليه راجعون”. الوابلي: رحل الجسد الطاهر، وبقي الأثر العاطر أما الأستاذ عبدالله الوابلي فكتب: “رحم الله الشاعرة السعودية ثريا قابل، التي لم تكن صوتًا شعريًا فحسب، بل كانت وجدان جيلٍ كامل، وذاكرة مرحلةٍ ثقافيةٍ مضيئة. برحيلها، تفقد مدينة جدة واحدةً من أكثر من تغنّى ببحرها وليلها وناسها. كما تفقد المملكة واحدةً من الرائدات اللاتي اقتحمن سُوح الشعر بنبل الرسالة، وشجاعة الفارسة، فحفرت اسمها في سجل الريادة حين أصدرت أول ديوان شعري نسائي في المملكة، لتفتح الأبواب أمام أجيالٍ من المبدعات. كانت قصائدها نبضًا حيًا، صدحت بكلماتها حناجر عمالقة الغناء السعودي، فداعبت المشاعر وسكنت الذاكرة. رحل الجسد الطاهر، وبقي الأثر العاطر. رحلت الشاعرة المبدعة، وبقي الصوت الشجي. لقد كان لها من اسمها النصيب الأوفر، فقد كانت كالثريا في تألقها وعلو مكانتها. رحم الله ثريا قابل رحمةً واسعةً، وجعل ما قدّمت من جمالٍ وإبداعٍ في ميزان حسناتها، وألهم ذويها وعشاق شعرها وتلاميذ مدرستها الصبر والوفاء لسيرتها المعتقة برائحة المطر، والمعطرة بعبير الخزامى. وأسأل الله أن يُسكنها لحدًا يليق بروحٍ وهبها الإبداع، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، كما جعلت كلماتها في الدنيا روضًا للقلوب”. الحداد: صوت المرأة في زمن البدايات من جهته، تحدث الكاتب الدكتور صبحي الحداد قائلًا: “ثريا قابل… سيرة إبداع وصوت المرأة في زمن البدايات، فقد عرفتُ الشاعرة والكاتبة الراحلة ثريا قابل عن قرب، إنسانةً ومبدعةً، منذ مطلع الثمانينيات، حين كنتُ أعمل إلى جانب عملي كمحرر طبي، محررًا فنيًا في صحيفة عكاظ عام 1983م، وكانت هي واحدة من الأسماء النسائية الرائدة التي فرضت حضورها بثقة وموهبة في المشهد الثقافي والصحفي السعودي، في زمن لم يكن الطريق فيه مفروشًا بالاعتراف السهل ولا الفرص المتكافئة. تميّزت ثريا قابل بصوت شعري مختلف، يحمل حسًّا إنسانيًا عاليًا، ووعيًا اجتماعيًا وثقافيًا متقدمًا، انعكس في كتاباتها الصحفية ونصوصها الشعرية التي لامست الوجدان، وعبّرت عن المرأة والإنسان والحياة بلغة صادقة وعميقة. كان قلمها جريئًا دون صخب، وأنيقًا دون تصنّع، وهو ما منحها مكانة خاصة بين قرّائها وزملائها. في ميدان الصحافة، شكّلت ثريا قابل نموذجًا للكاتبة المثقفة التي تجمع بين الأدب والرأي، وأسهمت عبر سنوات طويلة في إثراء الصفحات الثقافية والفنية، مؤكدة أن الكلمة الواعية قادرة على البقاء والتأثير. أما في مجال الأغنية، فقد تعاونت مع عدد من كبار المطربين محليًا وعربيًا، وأسهمت كلماتها في صياغة أعمال غنائية راسخة في الذاكرة، لما تحمله من صدق شعوري وجمال تعبيري. وقبل عامين، كان لي شرف زيارتها في منزلها مع مجموعة “لمسة وفاء” بقيادة الفنان حسن إسكندراني؛ وذلك بعد عودتها من رحلة علاجية من القاهرة، فوجدتها كما عهدناها: روحًا شفافة، وذاكرة عامرة، وامتنانًا صادقًا لكل من شاركها محبة الكلمة. برحيلها، نفقد قامة ثقافية مهمة، لكن أثرها سيبقى حاضرًا في الصحافة، وفي الشعر، وفي وجدان من عرفها وقرأ لها. رحم الله ثريا قابل، وأسكنها فسيح جناته، وجعل إرثها الإبداعي شاهدًا على رحلة امرأة آمنت بالكلمة وعاشت لها.