لم يكن عام 1990 مجرد ورقة سقطت من تقويم الزمن، بل كان فوهة بركان استقبلت صرخاتنا الأولى. في ذلك الحين، لم تكن المخابئ مجرد غرف محصنة بأكياس البلاستيك والبطانيات، بل كانت أرحاماً ثانية ولدنا فيها من جديد لنتعلم أن الاستقرار وهم جميل، وأن التكيف هو الحقيقة الوحيدة التي تستحق الإيمان بها. نحن الذين عبرنا من براءة الراديو إلى صخب 'التيك توك'، وحملنا في حقائبنا رائحة الخوف القديم وأدعية الصالحين، لنجد أنفسنا اليوم أمام مرآة التاريخ من جديد. ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فبين صبيٍّ ولد تحت سماءٍ تمطر صواريخ في التسعينات، وطفلٍ استقبلته كمامات الوباء في العشرينين، قاسمٌ مشترك يسميه العابرون 'قلقاً'، ونسميه نحن 'فلسفة النجاة'. 25 يناير 1990يوم استقبل فيه بدايتي وأولى سنواتي وهذه السنة اخترت هذه الحكمة لأبدأ بها "لا أحد يستطيع أن يمنعك من التحليق إلا إذا كنت أنت من يمسك بجناحيك"، ما رأيكم أن نقول إن مواليد الثمانينات والتسعينات الذين نشأوا بلا انترنت هم "الجيل الجسر". هم الذين لديهم القدرة على التكيف. 1990 سنة التحول الكبير، في هذه السنة كان صوت الراديو والتلفزيون لا يتوقف، الجميع كان يتابع أخبار "أزمة الخليج". توقيت ولادة ذلك الجيل يشبه، من حيث الظروف، ولادة أطفال جيل كورونا، توقيت ممتاز لمن يحب المغامرة أو القلق الممتع، كانت حرب صدام في أوجها ونحن نستقبل الحياة بعيون صغيرة بينما الكبار يستقبلون الأخبار بقلق. البيوت دخلت وضعية الاستعداد، كل بيت أصبح له "مخبأ"، والمخبأ في الحقيقة مجرد غرفة بسيطة أغلقت نوافذها بأكياس البلاستيك، وامتلأت بالبطانيات وخزنت مياه وعلب البسكوت. لنتخيل المشهد عند انطلاق أصوات صفارة الإنذار؛ نحن الأطفال كنا نعتقد أنها لعبة، لكن الكبار يعرفون أنها ليست كذلك. ومع ذلك استمرت الحياة، المدارس فتحت أبوابها والأمهات يطبخن والآباء يذهبون لأعمالهم، كأن المجتمع كله قال بصوت واحد: نعم نحن قلقون لكننا لن نتوقف عن العيش. ربما لهذا السبب ولد جيلنا بقدرة غريبة على التكييف. جيل تعلم دون أن يدرس له أن الاستقرار قد يهتز، وأن الانسان لا يملك إلا أن يقف من جديد ويعيد ترتيب نفسه، جيل ولد بين احتمالين: الخوف والنجاة. هذا الجيل تربى بين صفارة إنذار، ووعظ ودعاء طويل، جيل يفهم القلق ولكن لا ينطق به. تعلم الكثير، عاش الخوف دون أن يختاره وتعلم الانضباط دون طلبه فأصبح لديه حس المراقبة والتنبه. ولكن.. دعونا نقفز الآن لثلاثين عاماً قادمة، إلى 2020 حيث وباء كورونا، وماذا اختلف جيل أزمة كورونا عن جيل أزمة الخليج؟ بمقارنة بسيطة يمكن أن نتخيل الفوارق وفق الشكل التالي: 1990 2020 ولدوا والأمهات والآباء في حالة ترقب للأخبار عبر الراديو أو التلفاز مع خوف من المجهول العسكري ولدوا في بيئة معقمة يسودها ذعر من عدو خفي مع تباعد اجتماعي حتى من أقرب الأقرباء نوع التهديد "خارجي" صواريخ وجيوش نوع التهديد "مجهري" فيروس وعدوى تلاحم عائلي شديد في الملاجئ والبيوت تباعد جسدي حتى بين أفراد الأسرة الواحدة الخوف من الصوت العالي والمفاجآت الخوف من الزحام ولمس أي شيء كمصدر عدوى جيل "المخضرمين" شهدوا الانتقال من الراديو الى الآيفون هذا يجعل شخصياتهم مرنة وقادرة على التكيف والتغير الجذري يجمعون بين بساطة الماضي وتعقيد الحاضر جيل "الرقميين بالفطرة " هم أطفال الشاشات قد يواجهون تحديات في مهارات التواصل المحسوس بسبب الكمامات التي أخفت تعابير الناس لكنهم سيكونون الأكثر براعة مع الذكاء الاصطناعي جيل "الإدراك والتواصل" جيل" الخصوصية والاستقلالية" عدوهم في زمهم كان "واضحا وصاخبا" عدوهم في زمنهم صار "صامتا وخفيا " في علم النفس، كلا الجيلين عبرا بما يسمى "القلق التأسيسي" الذي غالبا ما يخلق جيلا لديه حس عال بالحذر والميل للبحث عن الأمان والاستقرار كأولويه قصوى. إلا أن المقارنات لا تنتهي بين جيل ولد والناس أكثر قرباً لبعضهم، وبين جيل ولد والكون في إجازة إجبارية، لم يُستقبل هذا الجيل المولود في 2020 بالقرب والدفء و "دس ال100 وال200 ريال" في صدريته الطفولية الملونة. كأنه جاء على واقع زمني سيكون مختلفاً حتماً عما سبقته من أزمنة.