التعليم العالي وعقباته!

لا يختلف اثنان على أن التعليم هو الركيزة الأهم لنهضة الأمم وارتقاء الشعوب، ولهذا أولت الدولة – حفظها الله – التعليم عناية كبيرة، سواء في التعليم العام أو العالي، وتميزت عن كثير من دول العالم بمجانية التعليم، بل وبدعم الطلاب الجامعيين بمكافآت شهرية تعينهم على مواصلة مسيرتهم العلمية، إلا أن هذا الدعم السخي لم يُقابل - في بعض مفاصل التعليم العالي - بتطوير إداري وأكاديمي يوازي حجم الاهتمام، إذ ما زالت بعض أوجه القصور حاضرة، وبخاصة في آليات التقييم والقبول، وفي مركزية القرار الأكاديمي. وهنا يبرز سؤال ملح: هل تكمن المشكلة في الإمكانات، أم في طريقة إدارتها؟ في هذا السياق، جاء قرار الدولة مؤخراً بالمضي في خصخصة التعليم ضمن إطار نظام التخصيص بوصفه تحولاً تنظيمياً يستهدف رفع كفاءة الأداء، وتحسين الجودة، وتعزيز الحوكمة، لا التخلي عن مسؤولية التعليم. وإذا ما أُحسن تطبيق هذا القرار، فإنه قد يشكّل نقطة تحول حقيقية لمعالجة إشكالات تراكمت عبر عقود، وفي مقدمتها تضخم الصلاحيات الفردية، وغياب المساءلة المؤسسية. من أبرز هذه الإشكالات، تلك الصلاحيات الواسعة التي تُمنح أحياناً لعضو هيئة التدريس، بحيث يصبح مستقبل الطالب الأكاديمي مرهوناً برأي فردي لا يخضع - في التطبيق - لمساءلة مجلس القسم أو الكلية، فضلاً عن مجلس الجامعة. فيتحول التقييم من أداة قياس علمي إلى عبء نفسي وأكاديمي، لا يستند دائماً إلى معايير واضحة أو مقررات حديثة معتمدة. المفترض في التعليم الجامعي أن يقوم على خطط دراسية محكمة، ومقررات محدثة، وآليات تقييم شفافة، لا أن تُربط بنزعات شخصية أو بإحالات عشوائية إلى مراجع تجاوزها الزمن. فالمؤسسة الأكاديمية لا تُبنى على الاجتهاد الفردي بقدر ما تقوم على العمل المؤسسي المنضبط، وهو ما يُفترض أن تعززه الخصخصة إذا ارتبطت بأنظمة جودة ومحاسبة دقيقة. أما في مجال الدراسات العليا، فإن الإشكال يبدو أكثر اتساعاً، إذ ما زالت بعض شروط القبول أسيرة أنظمة تعود إلى عقود طويلة، مثل اشتراط تزكيات أكاديمية متعددة من أساتذة سبق لهم تدريس الطالب. وهو شرط وُضع في سياق تاريخي مختلف، ولم يعد متسقاً مع التحولات الحديثة في التعليم العالي ومعايير القبول العالمية، حيث تُقاس الكفاءة اليوم بالقدرة البحثية، والسجل العلمي، والخبرة العملية، لا بالعلاقات الأكاديمية السابقة. هذا الجمود التنظيمي أسهم – من حيث لا يُراد – في دفع كثير من الطلاب نحو التعليم الأهلي أو الخارجي، الذي استطاع أن يواكب التطوير، ويقدم برامج أكثر مرونة وجودة، ما خلق حالة من التنافس غير المتكافئ مع التعليم الحكومي، رغم ما يحظى به الأخير من دعم وإمكانات. إن تجاوز عقبات التعليم العالي لا يتحقق بالشعارات ولا بالقرارات المعزولة، بل بمراجعة شاملة وجريئة للأنظمة، وتفعيل الحوكمة، وتحديث شروط القبول والتقييم، وربط التعليم بمخرجاته الفعلية. وحينها فقط يمكن لقرار الخصخصة أن يكون أداة إصلاح حقيقية، لا مجرد انتقال إداري، وأن يجتاز التعليم العالي عقباته بثقة، ويستعيد دوره بوصفه محركاً للتنمية لا عبئاً على طموح أبنائه.