حين تثمر القيم ما لا تنبته الثروة.
ليست كل العطايا أموالًا، ولا كل الخسائر فقرًا، فثمة مساحات أعمق وأبعد أثرًا، لا تقاس بالأرقام، ولا ترى في حينها، لكنها تعمل في صمت، وتظهر نتائجها متأخرة، أحيانًا بعد رحيل صاحبها بسنوات. تلك هي عطاء النفس؛ العطاء الذي لا يكتب في دفاتر، لكنه يحفر أثره في الناس، وفي الأبناء، وفي مجرى الحياة نفسها، ويذكر حينا في المجالس نتأمل تفاصليه وآثاره. ولعل من أبلغ ما يستفتح به هذا المعنى ما يروى عن أبي جعفر المنصور، حين جاءه مقاتل بن سليمان يوم بويع بالخلافة، فقال له المنصور: عظني يا مقاتل! فقال مقاتل: أأعظك بما رأيت أم بما سمعت، يا أمير المؤمنين؟ قال المنصور: بل بما رأيت. فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين، إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولدًا، فلما توفي لم يترك لهم إلا ثمانية عشر دينارًا؛ كُفن بخمسة دنانير، واشتُري له قبر بأربعة دنانير، ووزع الباقي على أبنائه. وإن هشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولدًا أيضًا، فلما مات ترك لهم مالًا كثيرًا. ثم قال مقاتل: لقد رأيت بعيني في يوم واحد: أن أحد أبناء عمر بن عبد العزيز تصدق بمئة فرس في سبيل الله، ورأيت أحد أبناء هشام بن عبد الملك يتسول في الأسواق. فكانت تلك عظة لا تحتاج إلى زيادة قول، ولا إلى تعليق طويل؛ لأنها عظة رئيت لا سمعت، وشهادة واقع لا حكاية رواية وكأن الثروة حين انفصلت عن القيم فقدت قدرتها على البقاء. هذه القصة ليست حديثًا عن المال، بقدر ما هي حديث عن نوع الإنسان الذي يقف خلف المال. عن النفس التي تعطي، أو تمسك، عن القلب الذي يثق، أو يخاف. فليس كل من قل ماله فقيرًا، ولا كل من كثر ماله غنيًا، وإنما الغنى والفقر حالان يسكنان النفس قبل أن يظهرا في اليد. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ما الذي نورثه فعلًا؟ هل نورث أبناءنا أرقامًا؟ أم نورثهم طمأنينة؟ هل نخلّف لهم ممتلكات؟ أم نخلّف لهم طريقة نظر إلى الدنيا، وإلى الناس، وإلى الرزق؟ وسبحان الله، ما أشبه الأمس باليوم! فما نقرؤه في كتب السلف لا يقف عند حدود التاريخ، بل نراه رأي العين في مجتمعاتنا، ويتجلى بوضوح في واقع الناس اليوم، بصورة متكررة لا تخطئها الملاحظة. قد ترى رجلًا بسيطًا جدًا، لا يُعرف عنه سعي محموم خلف الدنيا، ولا لهث وراء الوجاهة، يعيش بقدر من القناعة، ويؤمن أن الرزق أوسع من أن يختزل في الحرص. إذا جاءه شيء، لم يمسكه خوفًا من الغد، بل يعطي، ويشارك، ويؤثر، وكأنه يدير حياته وفق سياسة المال وسيلة لا غاية. هذا الرجل قد لا يترك بعد وفاته حسابات بنكية، ولا عقارات مسجلة باسمه، لكنه يترك شيئًا أخطر وأعمق يترك منهجًا! تمر السنوات فإذا بأبنائه وقد فتحت لهم أبواب لم تفتح لأبيهم، هذا ييسر له بيت ملك، وذاك تقضى حاجته من حيث لا يحتسب، حتى ترى أبناءه جميعًا في استقرار معيشي، وكأن العدل والعطاء تحولا إلى رصيد خفي يعمل لصالحهم بعد رحيله. وهنا يدرك العاقل أن ما ورثوه لم يكن مالًا، بل بركة تسير معهم. وفي الجهة الأخرى من الصورة، قد ترى رجلًا ثريًا جدًا، يشار إليه بالبنان، ويحسب له ألف حساب، تتراكم عنده الأموال، وتتسع ممتلكاته، لكنه شديد الحرص، يدير ثروته بمنطق السيطرة لا بمنطق الأمانة، ويحسب أن الكثرة وحدها تحميه وتحمي أبناءه، العطاء عنده انتقائي، يمنح فيه المال لا لمن يحتاجه، فيعطي حيث يوجد المدح، لكنه يقسو – دون أن يشعر – على الأقربين، وعلى أصحاب الظروف، وعلى من لا يملكون لغة الطلب، ولا قدرة الشكر، ثم إذا بالمشهد ينقلب بعد وفاته؛ ديون تظهر، التزامات كانت مخفية، قرارات مالية غير متزنة، وأبناء يقفون أمام واقع قاس لا بيوت، ولا استقرار، ولا أثر لتلك الثروة التي ملأت المجالس حديثًا. وهنا لا يكون السؤال: أين ذهبت الأموال؟ بل السؤال الأعمق: أين غابت البركة؟ إن الإنسان لا يورّث أبناءه ما جمعه فقط، بل يورثهم طريقته في الجمع، ونظرته للمال، وحدود تعلقه بالدنيا. وقد صدق من قال: ليس الغنى أن تملك الكثير، بل أن تترك الكثير… عند الله؛ لأنه بني على قيم ومضاعف الأثر. فكم من رجلٍ قل ماله فكثر أثره، وكم من رجلٍ كثر ماله فمحا أثره، وما بين النموذجين فرق لا تصنعه الحسابات، بل تصنعه القيم، وبلغة الإدارة والاستدامة، فإن المال الذي لا يدار بأخلاق، ولا يضبط بعدل، ولا يوازن بعطاء، هو رأس مال عالي المخاطر، سريع التآكل، مهما بدا ضخمًا في الظاهر. أما العدل، والقناعة، والكسب الحلال، والإنفاق في وجوه الخير، فهي استراتيجيات طويلة المدى، لا تظهر نتائجها فورًا، لكنها تنتج أثرًا تراكميًا يمتد إلى الأبناء، وربما إلى من بعدهم، ورحم الله الحسن البصري عندما قال:” إن الله ليعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب” فالوفرة المادية ليست دليل اصطفاء! وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ وَتَقوى اللَهِ خَيرُ الزادِ ذُخراً وَعِندَ اللَهِ لِلأَتقى مَزيدُ