لم تكن ثريا قابل مجرّد اسمٍ في أرشيف الأغنية السعودية، ولا توقيعًا أنثويًا عابرًا على لحنٍ جميل، بل كانت مشروعًا ثقافيًا كاملًا تشكّل في زمنٍ صعب، ونجح في أن يفرض حضوره بهدوءٍ عميق، دون ضجيجٍ أو ادّعاء. ومع رحيلها، لا تفقد الأغنية السعودية شاعرةً كبيرة فحسب، بل تفقد إحدى ذاكرتها التأسيسية، وواحدة من النساء القلائل اللواتي كتبن الفن من الداخل، لا من الهامش. وُلدت ثريا قابل في بيئةٍ مركّبة؛ فهي أسمرية الجذور، من وادي فرشاط في جبل هادا، ابنة الشيخ سليمان قابل الأسمري، لكنها في الوقت ذاته ابنة جدة، المدينة التي شكّلت وعيها، وصاغت ذائقتها، وعلّمتها كيف تكون الكلمة جسراً بين الفصيح والعامي، وبين الشعر والغناء. نشأت في شارع قابل، ذلك الشارع الذي لم يكن مجرّد حيّ، بل فضاءً ثقافيًا مفتوحًا، تتقاطع فيه التجارة بالحكايات، واللغة بالحياة، والناس بالفن. في هذا المناخ تشكّلت شخصيتها الإبداعية. لم تدخل ثريا الشعر من بوابة الصالونات أو المنابر التقليدية، بل جاءت إليه من الحياة نفسها. كانت تكتب وهي تنصت، وتقول وهي تعرف متى تصمت. لذلك جاءت كلماتها صادقة، غير متكلّفة، قادرة على أن تصل إلى القلب دون وسائط نقدية أو تنظيرية. الجانب الذي لم يُضاء كثيرًا في سيرة ثريا قابل هو وعيها المبكر بقيمة “اللهجة” بوصفها أداة ثقافية لا تقل شأنًا عن الفصحى. لم تتعامل مع العامية الحجازية على أنها لغة ناقصة، بل رأت فيها طاقة تعبيرية عالية، قادرة على حمل الحنين، والخذلان، والفرح، والوجع، دون أن تفقد جمالها. كانت تكتب الأغنية كما لو أنها تكتب رسالة شخصية، ولهذا بقيت أغانيها حيّة، لا تشيخ، لأنها لم تُكتب لموسمٍ عابر، بل لوجدانٍ طويل العمر. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تتحوّل كلماتها إلى علامات فارقة في تاريخ الأغنية السعودية. من «من بعد مزح ولعب» إلى «مين فتن بيني وبينك»، ومن «والله واحشني زمانك» إلى «روح أحمد الله وبس»، صاغت ثريا قابل وجدان جيلٍ كامل، وأسهمت في تشكيل ملامح الأغنية السعودية في لحظة تشكّلها الأولى. ومع طلال مداح، وفوزي محسون، كوّنت ثالوثًا فنيًا نادرًا، لم يكن قائمًا على المصادفة، بل على انسجامٍ عميق بين الكلمة واللحن والصوت. غير أن التجربة لم تكن مفروشة بالورود. فثريا قابل كانت امرأة تكتب في زمنٍ لا يتسامح مع صوت المرأة، ولا يمنحها بسهولة حق الظهور العلني. عانت كثيرًا في نشر أعمالها، وفي إثبات وجودها، وكأن الشعر كان “ذنبها الوحيد”، كما لو أن الموهبة تُعدّ جريمة إذا جاءت من امرأة. لكنها، على خلاف كثيرين، لم تدخل معارك صاخبة، ولم ترفع شعارات، بل اختارت طريقًا آخر: الاستمرار. وهنا يتجلّى جانب آخر من قوتها؛ فقد كانت تؤمن أن البقاء فعلٌ إبداعي بحد ذاته. لم تنتصر ثريا قابل بالردود، ولا بالسجالات، بل بالكتابة. تركت القصيدة تمشي أمامها، وتدافع عنها، وتثبت أحقيتها في الوجود. ومع الزمن، تلاشى الصدّ والمنع، وبقيت الكلمة. وفي علاقتها بالناقد الكبير محمد حسن عواد، تتجلّى واحدة من أكثر الصفحات دلالة في مسيرتها. لم تكن تلك العلاقة علاقة تلميذة بناقد، ولا علاقة خصومة مباشرة، بل كانت حالة كشفٍ متبادل بين رؤيتين للحداثة والبوح. قرأ العواد نصّها بعين المفكّر القَلِق، واختبر تجربتها بقسوة أحيانًا، كأنه يريد أن يرى إن كانت قادرة على الصمود. أما هي، فكانت تكتب بقلبٍ يسبق التنظير، وتردّ على النقد بالفعل لا بالقول. في هذا التوتر الخلّاق، ظهرت حساسية الشعر الأنثوي في ساحةٍ لم تكن مهيّأة لاستقباله. ولا يمكن الحديث عن ثريا قابل دون التوقّف عند منجزها الفصيح، الذي غالبًا ما يُظلم لصالح شهرتها الغنائية. فهي صاحبة أول ديوان شعر فصيح لامرأة سعودية يُنشر باسم مؤلفته الصريح: «الأوزان الباكية». عنوان الديوان وحده يكشف الكثير عن عالمها الداخلي؛ ذلك المزج بين الإيقاع والحزن، بين الوزن والدمعة، بين الصياغة الصارمة والانفعال الإنساني. لم يكن الديوان مجرّد حدث أدبي، بل فعل شجاعة ثقافية، أكّد أن المرأة السعودية قادرة على اقتحام الفضاء الشعري الفصيح، لا من موقع التقليد، بل من موقع الإضافة. ومن الجوانب التي لم تُتناول كثيرًا أيضًا، إدراك ثريا قابل المبكر لفكرة “الخلود الفني”. لم تكن تسعى إلى الانتشار السريع، ولا إلى اللحظة العابرة، بل كانت تكتب وهي واعية بأن الأغنية الجيدة يجب أن تعيش بعد صاحبها. وربما لهذا السبب، ظل صوتها حاضرًا حتى بعد رحيلها، شاهداً على عظمتها، وعلى صدق تجربتها. برحيل ثريا قابل، لا نفقد شاعرة فحسب، بل نفقد ركنًا أصيلًا من أركان الثقافة السعودية الحديثة، امرأةً كتبت بصمت، وانتصر صوتها دون أن يعلو. امرأةً آمنت بالكلمة، فحفظتها الكلمة. رحم الله ثريا قابل… غابت الشاعرة، وبقي الصوت، وبقي الأثر، وبقيت الأغنية وهي تهمس للأجيال: هنا مرّت امرأة، وكتبت تاريخًا، دون أن تطلب التصفيق. * كاتب صحفي وقاص