برحيل الدكتور سعيد السريحي، الذي غادر دنيانا مساء أمس الأربعاء، تفقد الثقافة المحلية والعربية واحدًا من أبرز أصواتها النقدية والفكرية؛ إذ ظلّ الراحل، على مدى أكثر من أربعة عقود، حاضرًا بوصفه ظاهرة ثقافية وصحفية، تنقّلت تجربته بين النقد والأدب، وبين الصحافة والعمل المؤسسي. ومنذ كتابه الأول الصادر عام 1982، قدّم السريحي العديد من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات الصحفية، حيث تشكّل مشروعه النقدي بوصفه اشتغالًا عميقًا على اللغة والمعنى والخطاب. وقد تنوّعت مؤلفات الكاتب الراحل بين النقد الأدبي وتحليل الخطاب والتفكيك الثقافي والسرد والشعر، ومن أبرز كتبه: «الكتابة خارج الأقواس»، و«تقليب الحطب على النار»، و«حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة»، و«حركة اللغة الشعرية»، و«غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم»، و«الرويس»، و«عتبات التهجي»، و«العشق والجنون»، و«أيديولوجيا الصحراء»، و«شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد»، و«الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد»، و«ذباب الوقت»، و«كي لا نصحو ثانية»، و«ما لم يقله الشاهد»، و«لكِ النور»، و«القصيدة السوداء»، وأخيرا كتابه الأخير وهو رواية «جدة ٩٢٥». إلى جانب ذلك، ظلّ السريحي حاضرًا في المشهد الصحفي، وعضوًا مؤثرًا في النادي الأدبي بجدة، وكان آخر مناصبه رئاسة جمعية الأدب المهنية. خارج أقواس الحياة يستعيد محمد علي قدس، أحد الذين رافقوه في رحلته الطويلة داخل نادي جدة الأدبي، صورة السريحي بوصفه من أهم عناصر نجاح نادي جدة الادبي في عهد رئاسة الأديب الراحل الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين، الذي يُعدّ من أكثر رؤساء النادي عطاءً وتأثيرًا. ويشير قدس إلى أن دخول الدكتور سعيد السريحي إلى نادي جدة الأدبي جاء مصادفة، بعد زيارة عابرة له في مقر النادي المؤقت، حين كان الأعضاء يستأجرون شقة إلى أن يكتمل بناء مقر النادي في الكورنيش. غير أن هذه المصادفة سرعان ما تحولت إلى حضور فاعل، إذ شارك السريحي في النشاط الثقافي بمحاضرة حول إشكالية الغموض في القصيدة الحديثة، وأثبت منذ اللحظة الأولى حضوره في أمسيات النادي ومحاضراته، معلقًا ومقدّمًا، قبل أن يُختار عضوًا في مجلس إدارة النادي في تشكيله الثالث عام 1402هـ، برئاسة الأستاذ أبو مدين، بعد خروج الأستاذ يحيى توفيق من المجلس. ويؤكد محمد علي قدس أن الدكتور السريحي استطاع كسب ثقة الجميع، وكان تأثيره على رئيس النادي قويًا وواضحًا، حتى عُدّ من الأعضاء الذين أقنعوا أبو مدين بتوجهات ومسارات لا تتوافق بالضرورة مع فكره وثقافته «الطهحسنية». ويشهد قدس بأن السريحي كان الأكثر روية وحكمة في مواجهة أزمات الصراع مع المعارضين والمنتقدين لتوجهات النادي حين اعتُبر منبرًا للحداثيين، وكان أكثر عقلانية في حل الكثير من الأزمات والصراعات. شخصية غير ثابتة ومن زاوية أخرى، يقترب الناقد الدكتور معجب العدواني من شخصية السريحي بوصفها شخصية غير ثابتة، ويرى أن هذه السمة في حد ذاتها إحدى علامات الشخصية المثقفة التي تسعى باستمرار إلى الكمال. فالسريحي، كما يقول، لم يكن اسمًا يستقر على حال، وبدأ خطابه الفعلي منذ ثمانينات القرن الميلادي الماضي، في مرحلة كانت فيها حركة الحداثة مهيمنة على الوسط الثقافي، وكان من أبرز الأسماء التي أسهمت في هذه الحركة من خلال اشتغالاته النقدية على النصوص الأدبية للكتّاب والشعراء السعوديين. ويلاحظ العدواني أن اهتمام السريحي لم يقتصر على الكتابة بوصفها فعلًا فرديًا، بل اتجه لاحقًا إلى الجانب المؤسسي، وهو ما يُحسب له بوصفه مثقفًا متصلًا بالمؤسسة الثقافية. وكان من أبرز تجليات هذا الاهتمام إسهامه في نشاط نادي جدة الأدبي، ومشاركته في الحلقة النقدية المهمة التي شهدها النادي آنذاك، والتي أسهمت في تقديم الإبداع السعودي في قالب نقدي واعٍ. ثم جاءت مرحلة أخرى في مشروعه حين قدّم كتابًا تجاوز فيه قراءة النصوص إلى قراءة ظاهرة الكرم في الثقافة المحلية، محاولًا تفكيك خطاب الكرم بوصفه ظاهرة ثقافية، وهو ما قاده إلى مسار أوسع في تفكيك الظواهر الثقافية في التراث والحاضر، وهي مرحلة يراها العدواني استثناءً لافتًا في تجربته. ويضيف العدواني أن السريحي، منذ مطلع الألفية الجديدة تقريبًا، اتجه إلى المسار السردي، ومرّ فيه بثلاث محطات أساسية، بدأت بكتاب «الرويس» الذي حظي بإعجاب المتابعين والقراء، وشكّل محطة خاصة في تجربته بحسب ما كان يرويه السريحي نفسه. ثم جاءت المحطة الثانية خلال جائحة كورونا مع كتاب «ذباب الوقت»، بوصفه نصًا سرديًا مختلفًا، قبل أن يكتمل هذا المشروع بمحطته الثالثة في رواية «جدة ٩٢٥»، الصادرة العام الماضي، والتي تكتسب قيمتها من تناولها مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ مدينة جدة. سيد التأويل أما الدكتور عادل خميس، الذي رافق الراحل في مرحلته الأخيرة، فيضع تجربة سعيد السريحي في إطارها العربي الأوسع، مشيرًا إلى أنه منذ ظهوره في مطلع الثمانينات عبر كتابه عن أبي تمام، أدركت الثقافة العربية أنها كسبت صوتًا مختلفًا في النقد الأدبي وتحليل الخطاب. وعلى مدى أربعة عقود، ظل السريحي ينتج للثقافة العربية كتبًا ومشاركات ونقاشات، إلى جانب أجيال من التلاميذ الذين تتلمذوا على يديه في أكثر من مجال. ويرى خميس أن حضور السريحي كان مثيرًا للجدل لأنه كان مختلفًا، لكنه ظل وفيًا لمبادئه وقيمه، ولم يكن يرضى أن يداهن على حساب ما يؤمن به، وهو ما أدخله في صدامات مبكرة مع خطابات متعددة. ويشير إلى أن الاحتفاء بتجربته في بداياتها كان عربيًا أكثر منه محليًا، قبل أن يبدأ نجمه في البزوغ داخل المشهد الثقافي والصحفي السعودي، ليتأكد لاحقًا أننا أمام تجربة مهمة في الفكر والثقافة العربية. وكان السريحي، كما يؤكد خميس، لا يخشى إبداء اختلافه عبر النقاش المتحضر. ويقسّم خميس التجربة الكتابية للسريحي إلى ثلاث مراحل: الأولى تمثلت في اشتغاله على البنية ضمن مشروع البنيوية العربية، من خلال كتابه عن أبي تمام، ثم «حركة اللغة الشعرية»، و«الكتابة خارج الأقواس»، حيث صنع اسمه باحثًا ومحللًا للنصوص الشعرية والسردية. ثم انتقل في مرحلة لاحقة إلى النصوص الثقافية ضمن أفق ما بعد البنيوية، مستعينًا بأدوات أركيولوجية وتفكيكية، ويتوقف هنا عند كتاب «حجاب العادة» بوصفه كاشفًا عن عبقرية السريحي، إضافة إلى كتاب «عتبات التهجي» حول تجربة محمد الثبيتي. أما المرحلة الأخيرة، فقد ظهر فيها بوصفه مفكرًا يتناول قضايا اللغة والثقافة والوجود، كما في كتابه «ما لم يقله الشاهد»، الذي يعده خميس من الكتب المهمة في تحليل الخطاب. ويضيف أن للسريحي تجربتين موازيتين في الشعر والسرد؛ فقد كان شاعرًا مبدعًا، وحافظًا واسع الاطلاع على التراث والشعر الحديث، وصدر له ديوان «لكِ النور» الذي جمعه صديق عمره صالح بوقري. كما قدّم أعمالًا سردية لافتة، بدءًا من «الرويس»، مرورًا بكتاب «الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد»، وصولًا إلى روايته الأخيرة «جدة 925»، التي صدرت قبل رحيله بأسابيع قليلة. ويخلص الدكتور عادل خميس إلى توصيف جامع لتجربة الراحل، مؤكدًا أن سعيد السريحي كان «سيدًا من سادات التأويل»، وأن أداة التأويل لديه كانت نادرة، يصعب العثور على مثيل لها.