في لقاء مع طلبة كلية لندن للأعمال ..
الأمير تركي الفيصل يناقش التحولات الدولية والتحديات الإقليمية .
التقى صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وفدًا من طلبة كلية لندن للأعمال، وذلك في مقر المركز بمدينة الرياض، يوم الأحد 20 شعبان 1447هـ (8 فبراير 2026م)، ضمن زيارة علمية وثقافية هدفت إلى الاطلاع على تجربة المملكة في القضايا الإقليمية والدولية. وتناول اللقاء جملة من القضايا المرتبطة بالتحولات في النظام العالمي، والعلاقات الدولية، والسياسة الخارجية للمملكة، إضافة إلى أدوار الدبلوماسية العامة، ومستقبل الطاقة، والتحديات المرتبطة بصورة الدول في ظل عالم شديد الاستقطاب. وفي مستهل حديثه، قدّم سمو الأمير قراءة تاريخية لموقع الجزيرة العربية في السياق العالمي، موضحًا أن المنطقة، على امتداد قرون طويلة، كانت مصدِّرة للبشر بحكم طبيعتها الجغرافية والمناخية، قبل أن يشهد هذا المسار تحولًا جذريًّا مع اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أصبحت الجزيرة العربية مقصدًا للهجرة والعمل، وهو ما يفسّر جانبًا من التركيبة السكانية المعاصرة لدول الخليج. وأكد سموه أن فهم هذا السياق التاريخي يظل ضروريًّا عند مناقشة أوضاع المنطقة الراهنة، ولا سيما في ظل ما يحيط بها من بؤر توتر إقليمية، مشيرًا إلى أن السياسة السعودية، داخليًّا وخارجيًّا، انطلقت دائمًا من مبدأ حماية استقرار المملكة وسلامة مجتمعها، مع السعي في الوقت ذاته للإسهام في تهدئة النزاعات الإقليمية ومعالجة أسبابها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وتطرّق اللقاء إلى تجربة سمو الأمير الدبلوماسية في أثناء عمله سفيرًا للمملكة في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث أوضح أن تطور وسائل الاتصال وتغير طبيعة العلاقات بين القيادات السياسية؛ أدى إلى تحول دور السفير من وسيط سياسي تقليدي إلى فاعل في مجال الدبلوماسية العامة، يتواصل مباشرةً مع المجتمعات والرأي العام. وفي هذا السياق، أشار سموه إلى حرصه على الانخراط في مختلف المنصات الحوارية، من المدارس والجامعات إلى مراكز الفكر والمؤسسات العامة، مؤكدًا أن بناء الفهم المتبادل لا يتحقق إلا عبر الحوار المباشر والانفتاح على مختلف الشرائح. وناقش سمو الأمير طبيعة العلاقات الدولية في ظل التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، موضحًا أن سياسة المملكة تقوم على تحقيق مصالحها الوطنية، والحفاظ على علاقات متوازنة ومتكاملة مع مختلف القوى الدولية. وقال في هذا السياق: إن المملكة «حريصة على الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة والصين، وترى أن هذه العلاقات ليست متعارضة، بل مكمّلة بعضها بعضًا». وتناول سموه كذلك آفاق الطاقة ومستقبل النفط في ضوء مستهدفات رؤية السعودية 2030، موضحًا أن النفط لا يقتصر دوره على كونه مصدرًا للطاقة فحسب، بل يشكّل أساسًا لصناعات لا غنى عنها في الحياة الحديثة، مشيرًا إلى أن التحول نحو تنويع مصادر الدخل لا يتناقض مع استمرار النفط موردًا اقتصاديًّا مهمًّا. وأوضح أن رؤية المملكة 2030 تستند إلى إدراك طبيعة تقلبات أسواق الطاقة، وأهمية بناء اقتصاد متنوع وأكثر استدامة، مع الاستفادة المثلى من الموارد الطبيعية. وفي جانب آخر من اللقاء، قدّم سمو الأمير نصيحة موجّهة إلى الأجيال الشابة وقادة المستقبل في عالم يشهد قدرًا متزايدًا من الاستقطاب، مؤكدًا أن معرفة الإنسان بنفسه، والصدق في التعبير عن هويته وقيمه، يمثلان أساسًا للتعامل مع التحديات وبناء جسور التفاهم. وتوقف سموه عند مسألة الصورة الذهنية وسوء الفهم الذي يمس بعض الدول في الإعلام الغربي، مستعرضًا تجربته في المملكة المتحدة، ومشيرًا إلى الدور المؤثر للإعلام في تشكيل التصورات، مع التأكيد أن التواصل المباشر مع المجتمعات يظل أداة فاعلة لتجاوز الصور النمطية. وفي سياق حديثه عن سرد الدول لقصصها أمام العالم، أشار سمو الأمير إلى تجربة الصين في إعادة تقديم نفسها دوليًّا عبر الثقافة والفنون والإنجازات العلمية، عادًّا المصداقية والإنجاز الفعلي هما الأساس لأي خطاب ناجح على الساحة العالمية.