حفيدة الملكة فيكتوريا توثقُ حقبة المؤسس وتاريخ المملكة..
الأميرة أليس ..«رحلة العمر » من ضفاف التايمز إلى قلب نجد.
لم تكن المملكة العربية السعودية، في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، مقصدًا مألوفًا لعدسات أوروبية ملكية، ولا مسرحًا مفتوحًا لرحلات استكشاف أرستقراطية. كانت أرضًا تعيد تشكيل ذاتها بهدوء، وتنسج مشروع دولتها الحديثة بعيدًا عن صخب العالم. في تلك اللحظة التاريخية الدقيقة، جاءت الأميرة أليس، حفيدة الملكة فيكتوريا، لا بوصفها زائرة عابرة، بل شاهدة على زمن يتكوّن، وموثِّقة لمرحلة تأسيسية من تاريخ المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز (طيّب الله ثراه)، المؤسس الذي كان يرسم ملامح الدولة الجديدة بحكمة وصلابة وبعد نظر. لقد شكّلت رحلة الأميرة أليس عام 1938م حدثًا استثنائيًا، ليس لأنها أول زيارة من فرد في العائلة المالكة البريطانية إلى المملكة فحسب، بل لأنها جاءت محمّلة بالتصوير والتدوين والملاحظة، فحوّلت الرحلة إلى وثيقة تاريخية نادرة، تجمع بين الدبلوماسية الهادئة، والفضول الحضاري، والرغبة الصادقة في فهم مجتمعٍ كان يخطو بثبات نحو الحداثة دون أن يتخلى عن جذوره. جذور ملكية وُلدت الأميرة أليس ماري فيكتوريا أوغستا بولين في 25 فبراير عام 1883م، في قلب العائلة الملكية البريطانية، حفيدةً مباشرةً للملكة فيكتوريا من جهة والدها الأمير ليوبولد، أصغر أبناء الملكة. جاءت ولادتها في زمن كانت فيه الإمبراطورية البريطانية في ذروة تمددها، وكانت الأسرة الملكية تمثل في الوعي الأوروبي رمزًا للقوة والاستقرار والتأثير العالمي. تلقت الأميرة أليس تعليمها في بيئة أرستقراطية عالية المستوى، جمعت بين اللغات والتاريخ والآداب، إلى جانب الاطلاع المبكر على شؤون السياسة والإدارة، وقد أسهمت هذه النشأة في تشكيل شخصية تميل إلى الفهم العميق للمجتمعات المختلفة، بعيدًا عن الأحكام السطحية. ومع زواجها عام 1904م من الأمير ألكسندر كامبريدج، الذي أصبح لاحقًا لقبه الرسمي هو إيرل أثلون، اتسع دورها العام، لتشارك زوجها مهامه الرسمية في عدد من المناصب الإمبراطورية، أبرزها فترة توليه منصب الحاكم العام في جنوب أفريقيا ثم كندا، وهو ما عزز خبرتها بالثقافات غير الأوروبية. لم تكن الأميرة أليس سياسية بالمعنى التنفيذي، لكنها كانت شاهدة على التحولات الكبرى في عالم يتغير بسرعة. عُرفت باهتمامها بالعمل الإنساني، ورعايتها للمؤسسات الطبية والاجتماعية، إضافة إلى شغفها بالسفر والتوثيق والتصوير، وهو شغف نادر بين نساء الطبقة الملكية في ذلك الزمن. وقد منحتها مكانتها الملكية حرية الوصول إلى أماكن مغلقة على غيرها، لكنها في المقابل حمّلتها وعيًا مضاعفًا بدورها بوصفها ممثلة لثقافة بلادها، ومراقبة دقيقة لما تشهده من مجتمعات أخرى، وهو ما سيظهر لاحقًا بوضوح في أسلوبها المتزن والمنصف خلال رحلتها إلى الجزيرة العربية. زمن التحولات الكبرى جاءت رحلة الأميرة أليس التاريخية إلى المملكة في عام ١٩٣٨ استجابةً لدعوة من ولي العهد آنذاك، الملك سعود، خلال لقاءٍ عابرٍ على مائدة الغداء في مضمار سباق أسكوت عام ١٩٣٦، وقد حلّت زيارتها للمملكة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، فالدولة السعودية الحديثة كانت قد أعلنت رسميًا عام 1932م، ونجح الملك عبدالعزيز خلال سنوات قليلة في ترسيخ وحدة سياسية غير مسبوقة في الجزيرة العربية، بعد عقود من التشرذم والصراعات. وعلى المستوى الدولي، كان العالم يقف على أعتاب الحرب العالمية الثانية، بينما كانت القوى الكبرى تعيد ترتيب مصالحها في الشرق الأوسط، بوصفه منطقة استراتيجية آخذة في الصعود. اقتصاديًا، جاءت الزيارة متزامنة مع البدايات الأولى لاكتشاف النفط في المنطقة الشرقية، بعد توقيع اتفاقية الامتياز مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا عام 1933م، وبدء الإنتاج التجاري عام 1938م نفسه. لم يكن النفط قد غيّر ملامح الاقتصاد بعد، لكنه كان حاضرًا كأفق مستقبلي، فيما ظل المجتمع السعودي قائمًا على أنماط العيش التقليدية، من زراعة وتجارة وحياة بدوية مستقرة بقيمها. هذا التعايش بين القديم والجديد منح المرحلة طابعها الخاص، وجعلها محط اهتمام المراقبين الغربيين، ومن بينهم الأميرة أليس. الوصول إلى جدة بدأت رحلة الأميرة أليس إلى المملكة على متن حاملة الطائرات البريطانية “إتش إم إس إنتربرايز” عبر ميناء جدة، وقد حظيت باستقبال رسمي من الأمير (آنذاك) فيصل وهو ما يعكس مكانتها الملكية، وفي الوقت ذاته يترجم تقاليد الضيافة السعودية التي حرصت الدولة الناشئة على إظهارها أمام ضيوفها الدوليين. كانت جدة في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين مدينة حيوية متعددة الأدوار، تجمع بين كونها ميناءً تجاريًا نشطًا، ومحطة عبور رئيسة للحجاج، ومركزًا إداريًا آخذًا في التشكل ضمن إطار الدولة الحديثة. لفتت جدة نظر الأميرة بوصفها مدينة ذات طابع مختلف نسبيًا مقارنة بمدن الداخل، إذ رصدت في يومياتها تنوّع سكانها، واختلاط الثقافات فيها، وحيوية أسواقها القريبة من الميناء. وقد التقطت بعدستها مشاهد للعمارة الحجازية التقليدية ببيوتها ذات الرواشين، وحركة التجارة اليومية، وأنماط العيش التي تعكس توازنًا بين البساطة والتنظيم الاجتماعي الراسخ. لم تكن هذه المشاهد مجرد انطباعات عابرة، بل وثائق بصرية لمدينة تؤدي دورها التاريخي في لحظة انتقالية دقيقة. فجدة، كما رصدتها الأميرة أليس، لم تكن مجرد مدخل جغرافي إلى المملكة، بل واجهتها الخارجية، وصورتها الأولى في نظر العالم، وهو ما منح توثيقها قيمة خاصة في فهم كيفية تقديم المملكة لنفسها في سنوات التأسيس الأولى. اللقاء مع المؤسس شكّل لقاء الأميرة أليس بالملك عبدالعزيز محطة مركزية في مسار الرحلة، تجاوزت الإطار البروتوكولي المعتاد إلى حوار مباشر بين قائد دولة في طور التأسيس، وامرأة تنتمي إلى واحدة من أعرق السلالات الملكية في أوروبا. وقد ترك الملك عبدالعزيز، بحضوره اللافت وشخصيته المتزنة، أثرًا واضحًا في نفس الأميرة، التي رأت فيه نموذجًا لقائد يجمع بين الحزم في القرار، والحكمة في إدارة الدولة، والبساطة التي لا تنتقص من الهيبة، وفي معرض استذكارها للقاء الأول بالملك عبد العزيز، كتبت الأميرة أليس لاحقًا: “كان رجلاً عظيمًا، ورجلاً نبيلاً يتمتع بأسلوبٍ آسر”. كما التقت أليس بالأميرة نورة بنت عبد الرحمن، الشقيقة الكبرى للملك المؤسس، وأفراد آخرين من العائلة المالكة السعودية، قد أتاحت هذه اللقاءات للأميرة أليس فهمًا أعمق لطبيعة المشروع السعودي، القائم على توحيد البلاد وترسيخ الاستقرار وبناء الدولة من الداخل. وفي هذا السياق، لم تُقدَّم الزيارة بوصفها حدثًا مغلقًا أو مُعدًّا بعناية شكلية، بل جاءت نتاج رغبة حقيقية في الاطلاع على البلاد كما هي. وقد حرص الملك عبدالعزيز على إتاحة المجال لضيفته للتنقل بين المدن والبوادي، ومشاهدة أنماط الحكم والإدارة والحياة الاجتماعية عن قرب. رحلة العمر امتدت الرحلة من جدة إلى الطائف، ثم إلى الرياض، قلب نجد وعاصمة الدولة. كانت الطرق طويلة وشاقة، تمر عبر الصحراء المفتوحة، لكن الأميرة أليس تعاملت مع الرحلة بوصفها جزءًا من التجربة، لا عائقًا أمامها، واعتبرتها بحق “رحلة العمر”. ففي الرياض، رأت الأميرة مدينة مختلفة عن مدن الساحل؛ أكثر هدوءًا، وأشد ارتباطًا بالتقاليد، قبل دخول الرياض، استقبل ولي العهد الأمير سعود موكبها، ورافقهم إلى قصر إقامتهم. في اليوم التالي، زاروا قصر الأمير في المدينة، وقاموا بجولة بالسيارة شملت زيارة قصر المصمك، كما قاموا بجولة في مدينة الدرعية الأثرية، تلاها حفل شاي في الحدائق المحيطة، قبل أن يغادر موكب الأميرة إلى الطائف في قافلة من السيارات، حيث قضوا ليلة بديعة في الصحراء. وكانت آخر محطة للأميرة زيارة البئر رقم 7 الشهيرة، حيث وضعت يدها المغطاة بالقفاز على الأنبوب، وسجلت لاحقًا ملاحظتها: “كان الماء يغلي من خلال قفازاتي، ويمكنك أن تشعر بالزيت وهو يهز الأنبوب بينما يندفع لأعلى”، غادرت الأميرة المملكة من ميناء الخبر في ذلك المساء، معلنةً أسفها الشديد على الوداع. الجزيرة بعدسة أليس ما يميّز رحلة الأميرة أليس أنها لم تكتف بالمشاهدة، بل حملت كاميرتها لتوثّق المشهد بصريًا. التقطت مئات الصور، بعضها من أوائل الصور الملوّنة التي توثّق الجزيرة العربية، لتصبح لاحقًا مادة أرشيفية ذات قيمة استثنائية. وتكشف الصور عن مجتمع متماسك، وبيئة تُدار بحكمة، وعلاقات إنسانية تقوم على البساطة والاعتماد المتبادل. ولم تتسم هذه الصور بنزعة استشراقية أو معالجة متكلفة، بل جاءت أقرب إلى تسجيل هادئ للواقع، يحترم المكان وأهله، ويقدّمهم في سياقهم الطبيعي، وهو ما منح توثيقها مصداقية خاصة وأهمية مضاعفة في قراءة تاريخ المملكة في سنواتها الأولى. عاشت الأميرة أليس بعد رحلتها سنوات طويلة، حاملة معها ذكريات تلك الرحلة الاستثنائية، حتى توفيت أثناء نومها في 3 يناير 1981م، عن عمر يناهز 97 عامًا و313 يومًا. وحتى عام 2026، ظلت أطول أميرات العائلة المالكة البريطانية عمرًا، محتلة المرتبة الرابعة في قائمة أطول أفراد العائلة الملكية البريطانيّة، متقدمة على الملكة إليزابيث الثانية، لتغدو حياتها وسجل رحلاتها شاهدًا على امتداد تجربة شخصية وتاريخية فريدة.