هل التركيبة اللغوية كانت على وفاق إذ جمعت - تهامة واليمامة- على أنهما متشابهان ثقافياً وتاريخاً وفي التراث الشعبي (الفلكلور) وفي نواحٍ أخرى أم لا؟ إن تحديد مصطلح (الإقليمية regionalism) يعتبر غامضاً نوعاً ما في الميادين العلمية. وفي العالم العربي ربما أنه لم يعرف مفهوم الإقليمية قبل القرن التاسع عشر كما أشار إليه عبد الله الريماوي، في كتابه الإقليمية الجديدة، وروى بعض الباحثين أن العرب لم يحملوا في الماضي أي مشاعر نحو الأرض أو المنطقة، ولكن نحو التضامن العشائري فقط. ومع أن الشعور الإقليمي في الجزيرة العربية ظل طفيفاً، إلا أننا نجد أن اليمامة وتهامة تميزتا عن محيطيهما بشعور عشائري تضامني، حاملان معهما وعياً بالأرض والمصالح الاقتصادية، إذ شكل أهاليهما معرفة عامة عن تقنيات الزراعة الضرورية وفهم مشترك لتاريخهم المحلي ومجموعة من الفلكلور بالإضافة إلى أساليب الأدب والفن والطبخ، كان هذا التراث بتشكيله يوحي بأن للإقليمين مصالح خاصة مشتركة لكل منهما، كما أن العديد من الصراعات والثورات التي ثارت مع جيرانهما كان وراءها الدفاع عن حكم ذاتي أو استماتة لاستقلال إقليمي. الربابة والمزمار التهامي هما أداتان موسيقيتان، كثر استخدامهما في الإقليمين، فالمزمار أو الناي يستخدم في تهامة، والربابة تستخدم في اليمامة وغيرها من مناطق شبه الجزيرة العربية، كقطر، ومن غير الخوض في الأداتين من ناحية تكوينها ونشأتها، إلا أنه من العوامل المشتركة فيهما رجوعهما من حيث أصولهما إلى القدماء المصريين، ومن ناحية أخرى فجميع الأدوات الموسيقية ذات أصول أجنبية عن العرب، كالعود والجنك والطنبور، أما أداة الإنسان العربي التي استنبطها بنفسه فهي الربابة والمزمار والطبل والدف فقط. وقد ذكر العارفون بالأداتين أن الغالب من يجيد استعمالهما، سواً بالزمر في المزمار أو العزف على الربابة هم عامة الناس وبسطائهم، وليس المتخصصون في الفن، ثم انتشر بعد ذلك، ومن الخصائص المشتركة، في الأداتين أنهما لم يكن يعزف عليهما النساء في الغالب، فقد اختصت الأداتان بالرجال دونهما، لما كانت تستلزم من قوة في الأداء والنفث، ويشتركان كذلك في الصنع، ففيهما أدوات الطبيعة، من خشب وغيره، بل إنهما لم يُصبغا بأي نوع من أنواع التقنية، فلابد من العنصر البشري فيهما، ولعل العامل الأهم المشترك فيهما، هو اللحن الموسيقي الخارج منهما، فيغلب عليه ويصبغه صبغة الألم والأسى، فهما أداتان لبث ما في داخل المرء من أحزان وأشواق. الربابة .. ألحان الصحراء المستمع للربابة يلحظ عدم وجود نوتة موسيقية أو سلم موسيقي، فهي أداة موسيقية سماعية، تعتمد على ذاكرة العازف ومقدرته، والمشاهد في الربابة أنها أداة ذات وتر واحد، فيعزف العازف عليها من القرار صعوداً حتى الجواب نزولاً ويعود أدراجه من الجواب الى القرار، حينها لابد أن يكون العازف ذا إلمام بهذا الوتر حتى يخرج أكبر عدد من النغمات كما أن الربابة بتشكيلها الآنف تمَثل لحنها بصعوبة البيئة والصحراء ووحشتها، وإيقاعها إلى الماضي السحيق، لتسطر على خيال العازف صورة القافلة وجمالها السائرة بتمايل منتظم ومتناغم، مع الرحلة الطويلة والمشي الرتيب في الصحراء، لذلك سميت القصائد المغناة والألحان المؤداة، كالهجيني والأصيل وغيرها، بحداء الإبل وارتبطت بغناء القوافل، حتى قال أهل البادية إن الإبل إذا سمعت صوت الربابة تصدر أصواتاً تدل على أنها تحن سواءً إلى ديارها أو أولادها أو غير ذلك، ولا سيما وأن اللحن متناسب مع خطى الركائب ونزول أعناقها وتمايلها، وحركة سير أقدمها، ومضغها وعلكها. عاطفة “ المزمار “ وأما المزمار فالعاطفة الجياشة فيه جلية، فمن خلاله يعبر العازف عن الأحاسيس العميقة، لذلك قال الشاعر حسن أبو علة عندما رأى راعي الغنم يمزمر لرعيته لغرض ابتغاه آنذاك: أسمعت يا ناي فاحكي واسكب دموع التشكي لله أنات شــــــــــــاكٍ تنساب في حسن سبكي، حتى قال: أبكاك طول التنائي والنأي إن طال يبكي والمزمار في غالب الشأن أن من يقوم بصنعه هو العازف بنفسه، فتكون الألة آنذاك قريبة إلى قلبه ووجدانه، فتثير حالة الطرب والتسلية في داخلة، وكان للمزمار حضور قوي في موسيقى الأندلس، كما أن السلم الشرقي للحن الخارج من آلة المزمار على مقام (السيكاه)، وهو مقام العشاق كما قيل، كما أن المقام كان جزءاً من الموسيقى الروحية والدينية، خاصة في التراتيل الصوفية، هذا وأن تهامة قد انتشرت فيها الصوفية على درجة كبيرة كما ذكر هذا المؤرخون، فيتضح أن المزمار كالربابة أيضا في كونه أداة سماعية، فيلاحظ حينئذ أن الربابة والمزمار، آلتان يُعزف عليها، ليحرك بالربابة، وينفث في المزمار أحزان عازفيهما. العريكة بين الأكلة المعروفة والسنام ومن اللطائف اللغوية التي تدل التشابه الكبير بين الإقليمين، أن عدداً من المصطلحات اللغوية تأخذ منحنيين لهما، كمصطلح (العريكة) ذكرها عدد من العلماء على كونها تطلق ويراد بها الثناء والمدح بأن يكون المرء على درجة من التسامح واللين وحسن الخلق، جاء في معجم مقاييس اللغة (فلان لين العريكة، إذا لم يكن ذا إباء، وكان سلسا. وقال ابن الأعرابي: العريكة: شدة النفس، قال الشاعر: خرجها صوارم كل يوم*** فقد جعلت عرائكها تلين) بتصرف. ولكنها قبل ذلك -وهو الذي يعنينا هاهنا- أنها وردت عند الصقلي النحوي وهو متوفى سنة 501 هـ، في كتابه: (تثقيف اللسان وتلقيح الجنان) وذكرها بكونها سنام الأبل فقال: “العريكة: السنام، يقال جمل لين العريكة، إذا كان سنامه منخفضا مذلا، لا يمنع من ركوبه، ولا يؤذى الراكب، فشبه الرجل بذلك، يراد أنه سهل مساعد غير أبي ولا شرس “ا. هـ فأصل اللفظة أطلقت في سنام البعير بكونه لين ومريح للراكب ونحوه، ثم شبه به الرجل، ونجد أن الأكلة المعروفة المسماة بــ العريكة في تهامة وغيرها من قرى ومدن، لها في السنام حظ وشبه، فمن مكوناتها السمن، وسنام الأبل في أصله شحم، ولا ندري أيهما المتأثر بالأخر سنام الأبل ام الأكلة المعروف؟ ، ولا سيما وأن تهامة انتشرت فيها الأبل المسماة (الأوارك)، المنسوبة إلى شجر الأراك الذي تتغذى عليه، وانتشرت في تهامة والساحل، وبعضهم يسميها الراكيّة، وهي أنواع، قال في لسان العرب: (وإِبل أَراكية: ترعى الأَراك.. وأَرِكت الإبل تأْرَك أَرَكاً: اشتكت بُطُونَهَا مِنْ أَكل الأَراك، وَهِيَ إِبل أَراكَى وأَرِكَةٌ)اهـ ، وأيضا أبل (الحِرْش) وتنتشر في السّهول المحاذية لساحل البحر الأحمر من القنفذة جنوبًا إلى منطقة تبوك في الشمال الغربي من المملكة، وأبل (الجَرشيات) وهي نوع من إبل السواحل التي ترعى الأراضي الرملية الساحلية، وترعى نباتات الأودية السهلة، ولا تتأثر بالوعورة الخفيفة، ومنهم من ينسبها إلى “جُرش” الموقع الأثري المعروف، يقول الأديب محمد بن معبر في كتابه: جرش: “واشتهرت جرش بإبلها، فيقال: ناقة جرشية، قال بشر بن أبي خازم الأسدي: تحدُّرَ ماء البئر عن جُرشيةٍ***على جربةٍ تعلو الدّيار غُرُوبُها ، واشتهر في تهامة زهران مربطٌ للأبل سمي “المُريريّات” . السدو والقط العسيري هما فنان كثر استعمالهما في الإقليمين فالسدو كثر وبرز استعماله في اليمامة وغيرها من المناطق المجاورة لها في شبه الجزيرة العربية كقطر، والقط العسيري، كثر استعماله في جنوب الجزيرة العربية واشتهر أكثر في رجال ألمع التي هي في وسط تهامة، وصناعة السدو والقط العسيري، التشابه والوفاق الذي بينهما كبير جداً من عدة نواحي، من جانب ألوانها، ومن جانب هندسيتهما، ومن جانب آخر تصاميمهما -وهو أهم عنصر مشترك بينهما وسياتي تفصيله-وهذا يلاحظه غير المختص، ومن باب أولى المتخصص، كما أنهما حرفتان يدويتان شاع إنتاجها بين النساء فقط، ولم يكن للرجال دور فيه. صناعة السدو في “ اليمامة “ اعتاد أهل البادية في اليمامة على صناعة السدو من خلال مواد مستخرجة من صوف الأغنام؛ حيث تقوم النساء بحياكتها، وغزلها، لعمل ما يحتاجونه من ملابس ومفروشات وبيوت شعر، وغيرها من الأدوات، كما تميز السدو بألوانه، ومفرداته الزخرفية، التي هي في غاية الإبداع، علاوة على هذا فيستخدم كذلك لإضفاء طابع جمالي وفني لصناعة الفلجان: وهي الأجزاء العلوية من بيوت الشعر، بالإضافة لتزيين الخيام بها، وتأخذ من أجل هذا وحدات زخرفية، فيها أشكالاً هندسية؛ كالدوائر، والمربعات، والمثلثات، وبُعد آخر كأنواع الخطوط؛ والذي يأخذ شكلاً من خلال عمليات التكرار، والتقابل، والتداخل، والتناظر، وغيرها من العلاقات التصميمية ذات التشكيلات الزخرفية المميزة. القط العسيري ورجال ألمع ونجد التشابه كذلك مع القط العسيري فإنه يأخذ طابع الفن التجريدي مباشرةً ويستقل به، إذ له دلالته الاجتماعية؛ حيث وضح المهتمون فيه، أن كثافة الزخارف وتنوعها تختلف على حسب المكانة الاجتماعية لمالك المنزل، كما يأخذ (الشكل واللون) دور كبير من البيئة المحيطة بساكن المنزل ري في (رجال ألمع) بشكل كبير، حيث تصف الألوان المستخدم في القط بياض القلوب وألوان الورود وأصباغ التربة الموجودة في الجبال، أما الخطوط فتتمثل في تعرجات الأودية وتضاريس الشعاب، وتأخذ الوحدات الزخرفية الهندسية والنباتية والأشكال الرمزية، من معطيات البيئة كالنباتات والجمادات، والخطوط الأفقية من المدرجات الزراعية المتتابعة، بينما كونت الجبال الخطوط الرأسية. السدو .. ألوان البيئة يعتمد فن السدو المنتشر في اليمامة وفي غيرها، على عدة ألوان أساسية، تؤخذ من الصوف (الأبيض والأسود) ثم تصبغ تلك الخيوط بالنباتات والأحجار، فالأصفر-ويؤخذ من نبتة العرجون والعرفج - والوردي-ويؤخذ من نبتة الفيحا- والأحمر-ويؤخذ من نبات أواعد (الفواة) وللأحمر الفاتح يضاف إلى ما سبق أوراق نبات الحنة – والأصفر -ويؤخذ من نباتي (الكركم والعصفر) والأزرق-ويؤخذ من نبات (النيلة )- والأخضر-ويؤخذ من حبة الكويت - ومع ازدياد عمليات الاستيراد من الخارج بدأ استخدام الأصباغ الكيميائية وأياً كان نوع هذه الأصباغ فإنها تضفي، على خيوط السدو قيم جمالية متنوعة تنسجم مع الألوان الأخرى لخلق علاقات لونية رائعة ألوان “ القط “ الأساسية تعتمد زخارف وفن القط العسيري المنتشر في تهامة وفي غيرها، بشكل كبير على الألوان الأساسية فالأحمر- ويؤخذ من حُسْن ومُرْ ورز مقلي مسحوق بعناية، ودور الرز المقلي يتمثل في تخفيف حدة لون الحسن -، والأصفر-ويؤخذ من مسحوق الكبريت الطبيعي أو قشر الرمان-، والأزرق-ويؤخذ من طلح أبيض وزرنيخ أزرق-، إضافة إلى الألوان الثنائية الأخضر- ويؤخذ من النباتات الخضراء ويعد من أهم الألوان في المنطقة.- والبرتقالي-الذي يتم جلبه من اليمن على هيئة بودرة-، والألوان الثلاثية التي تم استخدمها في الوقت الحاضر مع احتفاظ كلً بأسلوبه الخاص، وفيما يتعلق باستخلاص تلك الألوان فقد أُستخدمت موارد الطبيعة كالحجر وخاصة (الكلسية أو جيري) والطين والخشب، أو النباتات والثمار، أو المواد العضوية فيما بعد، كما أن تلك الألوان لم تكن ضربة حظ، بل تشكلت نتيجة التضاريس الجغرافية المتنوعة كالجبال والهضاب والسهول والغابات المتنوعة وأشجارها المتلونة، ومدرجاتها الزراعية، وغلالها المتنوعة. الخاتمة – الجواب على السؤال في الختام هل يجيب المقال عن التساؤل الذي طرحه في مطلعه (هل التركيبة اللغوية كانت على وفاق إذ جمعت -تهامة واليمامة- على أنهما متشابهان ثقافياً وتاريخاً وفي التراث الشعبي (الفلكلور) وفي نواحٍ أخرى أم لا؟) دائماً ما يذكر أن الأسماء لا تُعلل، ولكن لعل الاقليمين ليسا ببعيدين من ذلك وإن كانا على مسافة من بعض، إزاء هذا العرض لبعض اللمحات التي حاول مقدمها العصر بذهنه وربط الإقليمين ببعضها البعض، بعد أن عُبث بهما وصُورا كضدين وندين، إلا أن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وحد الأنداد والمجتمعات المتخاصمة، حتى صار الإقليمان (تهامة واليمامة) يقولان قول الشاعر: ندان لما استجمعا حسنا والند يظهر حسنه الند الإقليمان -تهامة واليمامة- من خلال اشتراكهما في مفهوم الإقليمية والنهوض بأهليهم ومجتمعاتهم من خلاله، وصبغة الألم والأسى وبثوث الأحزان والأشواق الخارجة من موسيقى الربابة والمزمار، والتشابه في عدد من المصطلحات اللغوية، والتجانس الملحوظ في هندسة وتصاميم وألوان فني السدو والقط العسيري، يجعل القصيدة اليتيمة، التي قيل فيها: لِلَّهِ أشواقي إِذا نَزَحَت دارٌ بِنا ونوىً بِكُم تَعدو إِن تُتْهِمي فَتِهامَةٌ وَطَني أو تُنْجِدي يَكُنِ الهَوى نَجْدُ نبراساً وعبقاً لهذا المقال.