مجدٌ يتجاوز الحدود..

من طين الدرعية إلى وميض السينما..

في قلب الجزيرة العربية، وتحديداً في عام 1139هـ (1727م)، وُضع حجر الزاوية لكيانٍ سياسي غير مجرى التاريخ. لم تكن الدرعية حينها مجرد بلدة على ضفاف وادي حنيفة، بل كانت رؤية استشرافية صاغها الإمام محمد بن سعود؛ نواتها الوحدة ومنتهاها السيادة. واليوم، ونحن نحتفي بـ “يوم التأسيس” كعلامة فارقة في تاريخنا المجيد، يبرز تساؤل يفرض نفسه: لماذا لم يتحول هذا المجد العظيم إلى “ملحمة سينمائية عالمية” تليق بحجم الحكاية السعودية وتأثيرها؟ هيئة تطوير الدرعية: حين ينطق الحجر بالريادة لا يمكن الحديث عن توثيق هذا التاريخ دون الوقوف إجلالاً للدور الاستثنائي الذي تقوم به هيئة تطوير بوابة الدرعية. لقد نجحت الهيئة في تحويل “حي الطريف التاريخي” —المسجل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي— من أطلال صامتة إلى وجهة عالمية تنبض بالحياة. إن الإنجازات الحديثة للهيئة لم تقتصر على ترميم الحجر، بل قدمت نموذجاً حياً لما كانت عليه العاصمة الأولى. هذا العمل الجبار في إعادة إحياء العمارة النجدية وتفاصيل الحياة في “قصر سلوى” وأزقة الطريف، يمثل اليوم “المستودع المرجعي” الأهم لأي صانع أفلام يريد محاكاة عصر التأسيس بدقة متناهية. إنها دعوة لاستلهام هذا الجمال وتحويله من واقع ملموس إلى كادر سينمائي يبهر العالم. سقوط “جدار التكلفة” أمام الثورة التقنية لطالما تذرع الإنتاج السينمائي بالصعوبات اللوجستية والميزانيات الفلكية لإعادة بناء مدن طينية شاسعة. لكن اليوم، وبفضل البيانات الرقمية والمسوحات التي وفرتها جهود تطوير الدرعية، أصبح الطريق ممهداً أمام الإنتاج الافتراضي (Virtual Production). لم نعد بحاجة لبناء مدن مؤقتة؛ فباستخدام محركات الرندرة فائقة الدقة مثل Unreal Engine 5، يمكننا إعادة إحياء الدرعية رقمياً بتفاصيل لا يفرقها البصر عن الواقع. هذه الاستوديوهات الذكية، المتوفرة الآن في مناطق مثل “نيوم” و”العلا”، تتيح للمخرج التحكم المطلق في الزمان والمكان، مما يقلص التكاليف ويرفع من جودة الصورة لتضاهي أعظم الإنتاجات الملحمية الي العالمية. السينما.. القوة الناعمة للهوية السعودية التاريخ الذي لا يُروى سينمائياً يظل حبيس الرفوف، والسينما هي اللغة العالمية التي ستخبر العالم كيف نجحت هذه الدولة في النهوض من قلب الصحراء. إن قصة التأسيس تمتلك كافة العناصر الدرامية: البطل الملهم، الرؤية الاستباقية، والصمود الأسطوري. وباعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي والمسح الضوئي، بات بإمكان المبدع السعودي تقديم عمل يجمع بين الأمانة التاريخية والإبهار البصري، ليضع تاريخنا في مكانه الطبيعي تحت أضواء العالمية. دعوة لصناعة الحلم إن “يوم التأسيس” ليس مجرد تاريخ، بل هو جذر الشجرة التي نستظل بظلها اليوم. وبما أن البنية التحتية السينمائية باتت جاهزة، وجهود هيئة تطوير الدرعية وضعت بين أيدينا التفاصيل الجمالية، فإن الكرة الآن في مرمى المنتجين والمخرجين. لقد حان الوقت لينتقل مجدنا من ذكريات الطين العتيقة في حي الطريف إلى وميض السينما، ليرى العالم بأسره كيف تأسست هذه الدولة العظيمة، وكيف تحول طموح الأمس إلى واقعٍ يتجاوز الحدود.