جذورٌ في الدرعية…

وولاءٌ يمتد عبر القرون.

بعد ما يقارب ثلاثة قرون من نزول مانع المريدي رحمه الله على ضفاف وادي حنيفة، انطلقت في الثاني والعشرين من فبراير عام 1727م النواة الأولى للدولة السعودية من الدرعية، ذلك المشروع الذي ارتبط باسم الإمام محمد بن سعود وتحالفه مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله. غير أن جوهر المسيرة لا يكمن في لحظة الإعلان وحدها، ولا في تفاصيل التحالف بقدر ما يكمن في الأثر الذي تركه هذا المشروع في نفوس الناس، وفي طبيعة العلاقة التي تشكّلت بين القيادة والمجتمع منذ ذلك التاريخ. ومع اتساع الدولة وتجاوزها حدود الدرعية، لم تكن مجرد سلطة تُدار أو نفوذ يتمدد، بل كانت تجربة معيشة لمسها الأهالي في أمنهم واستقرارهم وتنظيم شؤون حياتهم. نشأت بين القيادة والمجتمع علاقة قوامها الثقة المتبادلة؛ قيادة تسعى إلى توحيد الصف وترسيخ العدل، ومجتمع يرى في هذا المشروع ضمانةً لحياته وكرامته. ومع مرور السنوات، ترسخ هذا المعنى حتى أصبح الولاء للدولة امتدادًا طبيعيًا للانتماء والهوية. وعندما سقطت الدرعية وانهارت الدولة عام 1233هـ/1818م بعد حصار طويل ودمار واسع، لم يكن السقوط سياسيًا فحسب، بل كان محاولة لاقتلاع الفكرة من جذورها. هُدمت المنازل، وأُحرقت النخيل التي تمثل مورد الرزق والأمن الغذائي، وسُويت الأحياء بالأرض حتى تبدو البلدة غير صالحة للحياة، وكأن المقصود أن يُدفع من تبقى من أهلها إلى الهجرة بحثًا عن ملاذٍ آخر. قست الظروف، وضاقت سبل العيش، غير أن ما لم يُهدم كان أعمق من الجدران؛ كانت الفكرة قد استقرت في القلوب. لم يتخلَّ الناس عن ولائهم لقيادتهم رغم ما رأوه من ألمٍ وخسارة، ولم يتبدد إيمانهم بالمشروع الذي عرفوا في ظله الأمن ووحدة الكلمة. لم يكن ارتباطهم بعاصمة قائمة أو بمؤسسات ظاهرة، بل بعقدٍ اجتماعي غير مكتوب نشأ بينهم وبين قيادتهم؛ عقد أساسه الثقة، وعماده الإيمان بأن الدولة تمثلهم وتحفظ كيانهم وتصون مجتمعهم. ولهذا، ما إن عاد الإمام تركي بن عبدالله «رحمه الله» بعد أن تمكن من الفرار حتى وجد أرضاً خصبة ما زالت مؤمنة بالفكرة. لم يبدأ من فراغ، بل من رصيد عميق من الوفاء المتراكم عبر الأجيال. التف الأهالي حوله، وساندوه كما ساند آباؤهم من قبل، فنهضت الدولة مرة أخرى بعد الانهيار، في مشهد يؤكد أن الدول التي تُبنى على رضا الناس وإيمانهم لا تموت بسقوط مدينة، وأن القيادة التي تبادل شعبها الثقة تجدهم عند الشدائد أوفى نصير. كان ذلك النهوض امتدادًا طبيعيًا لذلك العقد الاجتماعي الذي وُلد في الدرعية، عقد أثبت أن العلاقة بين القيادة والمجتمع في هذه البلاد لم تكن علاقة مصلحة عابرة، بل شراكة راسخة عبر الزمن. وحين وحّد المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود البلاد وأعلن قيام المملكة العربية السعودية، لم يكن يؤسس دولة من عدم، بل كان يعيد جمع أطراف مشروعٍ متجذر في الوعي الجمعي. التف الشعب حوله كما التف أسلافهم من قبل، مؤمنين بأن وحدة الصف والسمع والطاعة في المعروف هي صمام الأمان للاستقرار والبقاء. واليوم، وبعد قرون من تلك البدايات، ما زال ذلك العقد الاجتماعي قائمًا؛ ولاءٌ صادق من الشعب، ومسؤوليةٌ راسخة من القيادة، وثقة متبادلة صنعت مسيرة متصلة من الصمود والبناء. إنها مسيرة مجتمعٍ آمن بدولته، وحين تعثرت ساهم بالنهوض بها، وحين توحدت ازداد وفاؤه لها، لتبقى العلاقة بين القيادة والشعب هي الركيزة الأعمق لاستمرار الدولة السعودية عبر الزمن.