بعض الأيام ليست تواريخ، البعض منها ذاكرة حيّة تمشي معنا دون أن ننتبه، وبعضها لحظة وعيٍ تغيّر طريقة نظرنا إلى أنفسنا وإلى الأشياء من حولنا. ويوم التأسيس من هذا النوع الأخير؛ لا نحتفل به لأننا نتذكّره، بل لأن أثره ما زال يعمل فينا. قبل الدولة كان الناس يعيشون، لكنهم لا يطمئنون. يتحرّكون كثيرًا، ويستقرّون قليلًا. وكان الخوف، لا النظام، هو الذي يحدّد شكل الغد. في تلك اللحظة الثقيلة، لم تُولد الدولة فجأة، بل نمت وتنامت كما تنمو الشجاعة في قلبٍ أنهكته الفوضى. في الدرعية لم يكن المشهد بطوليًا كما تحبّه الروايات، كان إنسانيًا، متجليا ، مليئًا بالأسئلة. وكان ثمة سؤال بسيط في لفظه،عميق في معناه عميق في نتائجه:هل يمكن أن نحيا معًا من غير أن يسحق بعضنا بعضا؟ هل يمكن أن يكون للأمن وجهٌ دائم، وللنظام معنى يتجاوزالقوة ويصنع معاييرا أرقى ومناخا أنقى ؟ وحين جاءت الإجابة، لم تأتِ في صيغة خطاب، بل في قرارٍ صعب: أن نفكر قليلًا كي نحيا كثيرًا.أن نقبل بالنظام لا لأنه يقيّدنا، وإنما لأنه يحمينا ويوحدنا ويجعلنا جسدا واحدا قويا . لم يكن التأسيس بناء جدران، بل بناء ثقة. ثقة بأن الغد ليس مصادفة، وبأن العدل، وإن تأخر، ليس وهمًا. حتى الطين الذي قامت عليه الدرعية لم يكن يبحث عن شكلٍ يُرى، بل عن معنى يُحتمَل. كان يعرف أن مهمته أن يحمل الحياة بثبات، لا أن يتباهى بها. ولهذا لم تكن الدولة فكرةً سياسية فحسب، بل طمأنينةً تُسكن الداخل.أن تفتح عينيك على صباحٍ لا تخاف فيه من الغد، ولا تلتفت خلفك كلما مشيت. ذلك الإحساس الخفيف… هو جوهر الدولة. واليوم، بعد ثلاثة قرون، نعود إلى يوم التأسيس لا لنقيم فيه، ولكن لنقيس المسافة التي قطعناها. وهنا تقدّم الرؤية بوصفها امتدادًا طبيعيًا لا قطيعة. فـ رؤية السعودية 2030 ليست وعدًا منفصلًا عن التأسيس، بل إعادة صياغة للسؤال نفسه بلغة العصر: كيف نصون الدولة، ونوسّع معناها، ونجعل النظام عادلًا وفعّالًا في آنٍ واحد؟ الرؤية لم تُعلن لتغيير هوية البلاد، بل لتمنحها أدوات جديدة كي تستمر.أن يتحوّل الأمن إلى جودة حياة، والاستقرار إلى ازدهار، والانتماء إلى مشاركة. أن تُدار الدولة لا بالخوف من المستقبل، لكن بالثقة في القدرة على صناعته. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله في يوم التأسيس هو أن نحتفل به كذكرى مكتملة. هو ذكرى ناقصة عمدًا، لأنها تطلب من كل جيل أن يُكمِلها. واليوم، الرؤية هي امتحان هذا الاكتمال: هل نستطيع أن نكون طلائعيين مؤثرين دون أن نكون منقطعين؟ طموحين دون أن نفقد بوصلتنا ؟ حرارة يوم التأسيس لا تأتي من الفخر وحده، تأتي من الشعور بالمسؤولية. مسؤولية أن تبقى الدولة فكرة حيّة، تتجدّد دون أن تذوب، وتتغيّر دون أن تنسى لماذا وُجدت. يوم التأسيس هو اليوم الذي نتذكّر فيه أن هذه البلاد لم تُبنَ لتقف، بل لتسير. وأن الرؤية ليست قفزة في الفراغ، بل خطوة واثقة على طريقٍ بدأ طويلًا وما زال يستحق أن يكون مضمارا واسعا للركض والعطاء.