«أدب التأسيس» وإعادة تحقيب الأدب السعودي.
لقي الأدب السعودي في عصر الدولة السعودية الأولى والثانية تجنّيًا نقديًا كبيرًا؛ إذ تبنّت الدراسات الأدبية منذ أكثر من نصف قرن أحكامًا نقديةً جائرةً وقاصرةً تجاه ذلك الأدب، والأدهى من ذلك أنها ما زالت تشكل قناعات ومسلمات تردّد حتى يومنا هذا دون تمحيص أو إعادة نظر. ومع وافر التقدير والاحترام لتلك الدراسات والمؤلفات التي كتبها أساتذة سعوديون وغير سعوديين، فإن تلك المقولات المنفّرة التي رسّخوها أفضت إلى تهميش الحركة الأدبية في الدولة السعودية الأولى والثانية، ونتيجةً لذلك؛ أدت إلى ما يشبه الجهل بها لدى معظم الأدباء والمتلقين من الأجيال اللاحقة. ما يناهز قرنين من التاريخ الأدبي السعودي جرى تحجيمها وبخسُها؛ فالدراسات حولها نادرة جدا، وإن وجدت ففي صفحات قليلة أو مباحث صغيرة جدا ضمن مطالع تلك الكتب والبحوث، تحت عناوين من قبيل (الأدب قبل توحيد المملكة أو أدب الدعوة) وتحفل بمقولات مكرورة يلفّها التعميم ويلغب عليها القصور المنهجيّ والبحثيّ، فوصفت الأدب بالجمود والتقليد، والشعر بشعر العلماء، والشعراء بالنظامين، وغير ذلك من التعميم والتبخيس الذي يوجب علينا طرح جملة من الملحوظات؛ أكتفي بثلاث منها: الأولى: ربط الأدب في الدولة السعودية الأولى والثانية وبدايات الثالثة بالدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأفكارها على نحو مباشر. ولا أحد يجادل في أثر الدعوة الكبير في كافة مناحي الحياة، ومركزيتها الريادية في النهضة الفكرية العربية بعامة، إلا أن الأدب كان أكثر اتساعا وتنوعا من أن نحصره في إطار التأثر بالدعوة والتفاعل معها. الثانية: نظر الدارسون إلى بقعة جغرافية محصورة في منطقة نجد على الأغلب دون غيرها، وهذا يناقض الاتساع الجغرافي الذي وصلت إليه مساحة الدولة السعودية في حقبة التأسيس التي ضمت مراكز ثقافية معروفة في مناطق كالحجاز وجازان والأحساء، وفي كل منها نتاج أدبي وحركة علمية وثقافية وأعلام رواد، يجدر أن توجه إليهم بوصلة الدرس الأدبي لتلك الحقبة. الثالثة: تعاملت معظم الدراسات مع أدب التأسيس بوصفه نصا إبداعيا فحسب، وأغفلت أثر الأدب في المجتمع والدولة والهوية، لا بوصفه ممارسة جمالية هامشية، بل باعتباره جهازًا مؤثرا في صياغة الهوية الاجتماعية، وتوجيه الوعي الفكري والسياسي آنذاك. من جهة أخرى يختلف طه حسين مع ما تتبناه معظم تلك الدراسات في مقالته الشهيرة في مجلة الهلال 1351هـ(الحياة الأدبية في جزيرة العرب) حين قال عن شعراء الدولة السعودية الأولى والثانية: «ظهر حول الأمراء من أهل نجد (يعني أئمة آل سعود) جماعةٌ من الشعراء... ليس من الممكن أن يقال إنهم جددوا الشعر وأحدثوا فيه ما لم يكن، ولكنهم على كل حال عادوا به إلى الأسلوب القديم، وأسمعونا - في القرن الثاني عشر والثالث عشر في لغة عربية فصيحة- هذه النغمةَ العربية الحلوة؛ التي لم تكن تُسمع من قبل. هذه النغمة – يكمل طه حسين- التي لا يقلّد فيها صاحبها أهل الحضر، ولا يتكلّف فيها البديع وإنما يبعثها حرة، ويحمّلها كلَّ ما تجيش به نفسه من عزة وطموح إلى المثل الأعلى، ورغبة قوية في إحياء المجد القديم». (أدب التأسيس) المصطلح والمرحلة أقترح أن نطلق مصطلح (أدب التأسيس) على الأدب السعودي منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727م إلى توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز رحمه الله عام 1932م وتصنيفه مرحلةً تاريخية مستقلة في مسيرة الأدب العربي السعودي، وتسوّغ اختيارَ هذه التسمية سماتُ التأسيس التي صبغت الحقبةَ التاريخية والتكوين السياسي، والتركيبةَ الأدبية وبناها وموضوعاتها وأساليب القول فيها، والمجال الثقافي بعامة، فالتأسيس السياسي بأدواره المتعددة سمة تلك القرنين، والتأسيس سمة الأدب الناتج فيها، الذي أحدث نغمة جديدة في مسيرة الأدب السائد في الوطن العربي في تلك المرحلة من تاريخ العرب، ثم أخذ يتلمس مسارات جديدة ارتقت فيها مستويات الأدب بجوانبه المختلفة، مع استرداد الرياض، ووجود أسماء أدبية قوية، وحراك أكثر نضجا، وصولًا إلى وجود العوامل الفارقة التي نقلت الأدب السعودي إلى مرحلته المعاصرة، كالطباعة والصحافة والتعليم النظامي والعالي وغير ذلك من التحولات التي طرأت في سنوات توحيد المملكة العربية السعودية. وبعد فإنني لا أدعو إلى منح أدب التأسيس مكانة لا يستحقها، لكنني أدعو بشدة إلى منحه من الجهد البحثيّ والنظر المنهجيّ ما يقدّره حق قدره، ويضعه في سياقه المناسب من التاريخ الأدبي العربي بعامة والسعودي بخاصة. وحسبي هنا إلماحةٌ مقتضبة حول أدب التأسيس، والمجال واسع للبحث والنقاش وإنضاج الأفكار والرؤى.وكل عام وطننا وقيادتنا وأهلونا بخير وعزة.