الوثائق العثمانية وعلاقتها بتاريخ بلادنا.

للوثائق التاريخية أهميتها بشكل عام، حيث تحتوي على معلومات مهمة؛ لمعاصرتها الأحداث أو لقرب بعضها منها، وإذا كان من الواجب على الباحث عدم التسليم بكل ما جاءت به النصوص - فضلًا عن الوثائق- فإن في تنوّع الوثائق ما يستدعي التركيز أكثر على محتواها ومقارنتها مع غيرها من الوثائق أو النصوص الأخرى، خاصة موضوع الوثائق السياسية؛ لما يتخلّلها من مواقف وآراء قد تكون غير دقيقة في بعض الأحيان. وقد تعرّضت الدولة السعودية - خاصة الأولى والثانية- إلى حملات عثمانية غاشمة، استمرت فترة من الزمن؛ تصدّت لها القوات السعودية بكل شجاعة وبسالة، حيث أشارت بعض المصادر- محلية كانت أو أجنبية- إلى هذه الحملات. وعند الحديث عن موضوع الوثائق العثمانية وعلاقتها بتاريخ بلادنا في إطار سياقها التاريخي في تاريخ شبه الجزيرة العربية؛ فإن ما يمكن ملاحظته على جانب منها، والـمُتعلّق بتاريخ المملكة العربية السعودية - تحديدًا بعد ضمها إلى بلاد الحجاز زمن الدولة السعودية الأولى- أن بعضًا منها يحتاج إلى لفت الانتباه، وعدم الاعتماد عليه بشكل منفرد أو التسليم بكل ما جاءت به، سواء ما يتصل بسياقها السياسي العثماني، أو في جانب المعلومات غير الدقيقة، على الأقل. ومن خلال تتّبع بعضها؛ اتضح لكاتب هذه السطور رأي حول علاقتها بتاريخنا الوطني - سواء تاريخنا السياسي أو القبلي أو الأسري- خصوصًا وثائق القرن الثالث عشر وبدايات الرابع عشر الهجريين. وإذا كانت الوثائق العثمانية بدأت تؤرخ أو تكتب عن التاريخ السعودي على خلفية الصراع معه - حيث كانت الوثائق والتقارير العثمانية تنطلق في أغلبها وفقًا للموقف السياسي آنذاك، وما يترتب عليه من عداء وخصومة- لكن عند النظر إلى المنطلق الذي تنطلق منه هذه الوثائق؛ فيجب مراعاة هذا الأمر عند تناول هذه الوثائق واستخدامها في دراسة تاريخنا وتدوينه، فالمسألة ليست مجرد كونها وثائق تاريخية فحسب، ويجب تقديمها على مصادرنا، والتسليم بكل ما جاءت به؛ إذ تحمل في طياتها موقفها المعادي من الدولة السعودية وأئمتها، فضلًا عن أنها تُؤرخ بالدرجة الأولى إلى تاريخ العثمانيين وحملاتهم، فمن يكتبها هم من مسؤوليها الذين يدوّنون الأحداث انطلاقًا من رؤيتهم وسياستهم ونظرتهم العثمانية الصرفة؛ لذلك لا يجب - من وجهة نظرنا- الاعتماد عليها بشكل رئيس، وتقديمها على المصادر الأخرى حيال نظرتنا إلى تاريخنا، وعدها وثيقة تاريخية مُنصفة وحيادية رسمت الصورة الحقيقية لتاريخ بلادنا في مرحلة معينة؛ ذلك أن كل من يقرأ تلك الوثائق ويتّتبعها؛ سيجد فيها التحامل، ووصف خصومها بأقبح العبارات. وإذا كان هذا أمر واضح، ويمكن تجاوزه في سبيل الحصول على المعلومة، ولا يحتاج إلى جهد؛ فإن في ثنايا بعضها-كثيرة كانت أو قليلة- ما يجانب الحقيقة التاريخية، وفيما يلي شيء من التفصيل. أولًا: المعلومات غير الدقيقة في الوثائق العثمانية: إن مسألة تتّبع النصوص الواردة في الوثائق العثمانية ومحاولة قراءتها ومقارنتها بالمصادر الأخرى - عربية كانت أو أجنبية- يعدّ من الأعمال المهمة والمفيدة التي يمكن تقديمها لتاريخنا المحلي، وإن كانت مثل هذه الأبحاث تحتاج إلى جهد ووقت للوصول إلى الحقيقة المنشودة؛ لإبراز التاريخ الحقيقي لفترة من فترات تاريخنا الوطني، ويمكن إيراد بعض النماذج لما جاء في الوثائق العثمانية من معلومات غير دقيقة فيما يلي: - وصف بعض الوثائق العثمانية لإمارة عسير أنها تابعة لهم في فترة من الفترات، وكان ذلك خلال عام (1282هـ/1865م)(1)؛ لكن الوثائق البريطانية في هذه الفترة التي تُكتب بعيدة عن التأثير العثماني تصف إمارة عسير بالمستقلة(2)، وينسحب هذا على الدولة السعودية الثانية في زمن الإمام فيصل بن تركي، حيث وُصف في بعض الوثائق العثمانية وخلال فترة حكمه الثانية (1259-1282هـ/1843-1865م) بأنه تابع لهم(3)؛ حتى وإن تخلّل هذا كلام صادر عن الإمام فيصل بن تركي يتضمّن ما يقتضيه الحال من مجاملات سياسية حصلت له ولإمارة عسير من قبله(4). والملاحظ على هذا الوصف أنه لا واقع تاريخي يؤكده سوى رواياتهم، ويؤيد هذا أو يؤكده ما يأتي: * أننا عندما ننظر إلى أي من النظم العثمانية؛ فلا نجد شيئًا منها قد طُبّق، مثل: تعيين القضاة في منطقة نجد، كما هو الحال مثلًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة إبّان تبعيتهما لهم في حقبة زمنية معروفة. * كما أن مذهب الدولة العثمانية هو المذهب الحنفي، ومعلوم أن مذهب الدولة السعودية السائد وشعبها هو المذهب الحنبلي. * عندما طلب العثمانيون من الإمام فيصل بن تركي مساعدة الجيش المصري وتسهيل مهمته ضد إمارة عسير(5)؛ فإن الإمام فيصل رفض تقديم أي نوع من المساعدة(6). والحال نفسه مع ابنه الإمام عبد الله بن فيصل، عندما اعتذر عن مساعدة شريف مكة التابع للعثمانيين - حتى ولو بالمشورة والرأي- في حربها ضد أمير عسير، التي كانت تتبع بشكل مباشر الدولة السعودية الأولى(7)؛ الأمر الذي يدلّ على استقلال القرار في الدولة السعودية الثانية، كما كان الحال في الدولة السعودية بأدوارها الثلاثة. ثانيًا: الوثائق العثمانية وسياقها التاريخي: عندما نريد تّتبع ما جاء في بعض الوثائق العثمانية من معلومات ذات صلة بتاريخ بلادنا؛ فنجد أن من بين هذه الوثائق والتقارير ما يتناول أحداثًا - سواء تعلّقت بتاريخ القبائل أو الأسر- ومنها إيعاز القوات العثمانية إلى بعض شيوخ القبائل بالهجوم على قبيلة قحطان، التي بقيت على ولائها للدولة السعودية، ومن ذلك: •تكليف بعض مشايخ القبائل أو بعض فروعها ليضيّقوا على قبيلة قحطان(8). •إلزام القوات العثمانية أحد مشايخ القبائل بمحاربة أحد مشايخ قبيلة قحطان، وكذلك شيخ مطير؛ حتى تحقّق للعثمانيين ما أرادوا(9). ويُفهم من هذين الخبرين – على سبيل المثال- أن هاتين الغارتين على قبيلة قحطان كانتا بتوجيه عثماني بحت، وبما يخدم السياسة والمصالح العثمانية بالدرجة الأولى، وقت وُجدت الحملات العثمانية في بلادنا، ولا أعتقد أن يُعدّ مثل خبر هاتين الوقعتين تاريخًا محليًّا أو قبليًّا خالصًا، وهما بأمر عثماني لأهداف عثمانية، وكذلك فهناك خبر تعلّق بالخيل عند القبائل في نجد، حيث جاء في إحدى الوثائق العثمانية: •صدور أمر عثماني من مصر يتضمّن شراء حصان عالي الجودة يوجد لدى الشيخ محمد بن قرملة لأجل التلقيح؛ فكان الرد على هذا الأمر من قِبل متلقي الرسالة والأمر، أنه لا يعلم إن كان يوجد لديه جواد بهذا الوصف أو لا، وأن ابن قرملة يوجد هذه الأيام في منطقة نجد الداخلية؛ لذلك أرسلوا بدلًا عنه حصانًا خاصًّا بهم يُسمّى غيثان، وأنه من الخيول الأصيلة المناسبة للتلقيح وقد أُرسل بحرًا(10). ويتبيّن من هذه الرسالة وهذا الرد، وإرسالهم لحصان بدلًا من البحث عن جواد ابن قرملة المطلوب؛ معرفتهم بموقف ابن قرملة من العثمانيين وحملاتهم(11)، كما يتضح من قولهم: إنهم غير متأكدين من وجود حصان لدى ابن قرملة؛ أنها محاولة واضحة منهم للتبرير، والتمهيد لإرسال البديل الذي لديهم؛ لأن جواد ابن قرملة صعب المنال عليهم، وإلا فحصان محمد بن قرملة ذو شهرة كبيرة في نجد(12)، ولو كلّفوا أنفسهم السؤال لوجدوا الإفادة، وعرفوا أنه موجود لديه؛ لكن هذا يؤكد معرفتهم بحقيقة موقف محمد بن قرملة تجاههم، وأنه مُخلص للدولة السعودية، ولا يرغب في التعامل مع العثمانيين(13). كما يمكن أن يأتي في مضمون هذه المقالة أن د. عبد الله العثيمين، الذي ألّف كتابه (تاريخ المملكة العربية السعودية)، وأعاد طباعته مرات عديدة تجاوزت عشر طبعات؛ لم نرَ أنه رجع إلى وثيقة عثمانية واحدة، وهو وإن كان لم يبيّن وجهة نظره حيال هذه المسألة؛ لكن من المرجّح أنها تنطوي على أن الاعتماد على الوثائق العثمانية يعني بشكل أو بآخر الدخول في إشكالات السياقات العثمانية وما يتعلق بها. وختامًا، فإن الباحث يأمل من عرض هذه النماذج، وطرح هذا الموضوع، الذي قد يكون واسعًا لما يحمله من موضوعات وتفصيلات كثيرة تحتاج إلى رصد وتتبع؛ لكن كما قيل: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ولعل في هذه المقالة وهذا الإيجاز ما يحقّق الهدف المرجو، وهو لفت النظر إلى مثل هذه المسائل التاريخية ذات العلاقة المباشرة بتاريخ وطننا المجيد. --------- (1) رسالة من السلطان عبد العزيز إلى الأمير محمد بن عائض، حول تثبيته على إمارة عسير ومنحه بعض المناصب كاقائمقام لواء عسير ومدير مرتبة الإصطبل العامر، غير مؤرخة، الأرشيف العثماني، إسطنبول، رقم التصنيف: 539/37474 I. DH؛ لأن مقترح أمير مكة كان بتاريخ 23 صفر 1282هـ/1865م، وموافقة السلطان على ما عُرض كان بتاريخ 18 ربيع الأول 1282هـ/1865م؛ مما يُرجّح أن تاريخه هو تاريخ موافقة السلطان، خاصة وأنه يحمل رقم التصنيف نفسه. (2) Doreen Ingrams, Leila Ingrams, Records of Yemen 1798-1960, Volume 3, 1855-1872, Cambridge, Archive Editions,1993. Vl 3, p. 694. (3) أغلو، سنان معروف، نجد والحجاز في الوثائق العثمانية (بيروت: دار الساقي، 2002م)، ص ص23-26. (4) آل زلفة، محمد بن عبد الله، وثائق الدولة السعودية الثانية في الأرشيف العثماني (الرياض: دار بلاد العرب، 1438هـ/2017م)، ص 164. (5)•الجمل، شوقي عطا الله، الوثائق التاريخية لسياسة مصر في البحر الأحمر 1863-1879م (مصر: مطبعة لجنة البيان العربي، د.ت)، ص 414. (6)•الحلواني، سعد بدير، العلاقات بين مصر والحجاز ونجد في القرن 19 (د.م، د.ن، 1415هـ/1995م)، ص 76. (7) •Doreen Ingrams, Leila Ingrams, Records of Yemen 1798-1960, Volume 3, 1855-1872, Vl 3, p. 682. (8)•تقرير مرفوع من أحمد باشا محافظ مكة المكرمة إلى محمد علي باشا، حول أوضاع بعض القبائل جهات تربة ورنية، مؤرخ في 3/10/1235هـ، محفوظ بدار الوثائق القومية بالقاهرة، محفوظة في المحفظة نمرة (7)، تحت نمرة مسلسلة (210)، من محفوظات المعية السنية [صورة بمكتبة الملك فهد الوطنية]. (9)•تقرير مرفوع حول تحركات بعض القبائل، مؤرخ في 3 رجب 1255هـ، محفوظ بدار الوثائق القومية بالقاهرة، محفظة رقم (267) عابدين، صورة المرفق العربي للوثيقة العثمانية رقم (76) حمراء [صورة بمكتبة الملك فهد الوطنية]. (10)•رسالة من أحمد شكري إلى سني الشيم، حول طلب حصان ابن قرملة وإرسال بديلًا عنه، مؤرخة في 8 محرم 1256هـ، وثيقة محفوظة بدار الوثائق القومية- القاهرة- صوّرها الباحث من الدار نفسها؛ ولكن مع الأسف لم يُقيّد رقم حفظها. (11)•للاستزادة حول موقف ابن هادي من الحملات العثمانية. ينظر القحطاني، سعيد بن مشبب، والعتيبي، تركي بن مطلق، محمد بن هادي بن قرملة وموقفه من الحملات العثمانية (1226-1256هـ/1812-1840م): دراسة تاريخية، مصر، جامعة الأزهر، مجلة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود- العدد السابع والثلاثون- الإصدار الثالث- أغسطس 2024م، ص ص 2928- 2964. (12)•حصان محمد بن هادي بن قرملة يُدعى حرقان، وهو من أشهر الخيل لدى قبائل نجد، وهو الذي عناه محمد بن هادي نفسه من قصيدة عندما تحدّث عن الحصان المسمّى نايف، وأنه ابن حرقان بقوله: (أبوه سبّاق لخيل الطوايف وأمّه ثمنها تسعة آلاف منقود). ينظر: أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الشعر العامي بلهجة أهل نجد (الرياض: دار العلوم للطباعة والنشر، 1402هـ/1982م) ج4، ص 94؛ العبيّد، محمد العلي، النجم اللامع للنوادر جامع، مخطوط، ص ص 255-256. (13)•يؤكد هذا أن أمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون أرسل إثر توليه إمارة مكة في شهر ربيع الأول من عام 1275هـ إلى نجد في طلب الحصان حرقان من محمد بن قرملة؛ لكن ابن قرملة رفض إعطاءه. ينظر: العبيّد، محمد العلي، النجم اللامع للنوادر جامع، مخطوط، ص ص 255-256؛ دحلان، أحمد زيني، خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام (القاهرة: المطبعة الخيرية، 1305هـ)، ص ص 320- 321.