نحن السعوديين.
1727 تأسيس الدولة السعودية كان نقطة في تاريخ شعب، شعب ولد وعاش على هذه المساحة من الأرض منذ آلاف السنين، شامخاَ كالسراة، شاسعاً صلباً كصحرائه، صافياً مثل ليالي نجد، حرّاً كنسمات تهاماته، صبوراً كالجِمال في معلقات أجداده. شعبٌ لعب مع التاريخ في ملاعبه الأولى من أخدود نجران حتى مدائن صالح، شعب صلى لربه مع إبراهيم في “أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين” وهو أول من صلى لله، في ذات المكان، خلف محمد خاتم النبيين. شعب مولع بالسماء والجمال، من جبل “التوباد” معترك الشعر حتى جبل “جحفان” معتقلَ الجنّ. ومن “توضح فالمقراة لم يعف رسمها” إلى “ وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأغصانه رندا”. شعبٌ “له البيد حين تلتف عجلى خلف ريح وعوسج يتمردْ وله الماءُ منذ مرّت خفافًا غيمةٌ وهلّل أجردْ”. في هذه الجغرافيا العصية الواضحة، تقسو حينا وترقّ حيناً تعلّم كيف يكون غنيّا بذاته ممتلئاً بشخصيته.. وتعلم كيف يكون حرّاَ مسيطرا على نفسه وكيف يعيش في توتر خلّاق مع طبيعته، ينتظر مواسمها ويتنقل إليها، يتحرك دائماً على أرضه وفي حدودها كأنه يتفقدها أبداً، ويخوض حروبا قبَلِيّة مع نفسه، لكنه لا يريد سوى هذه الأرض ولا يريد لغرباء أن يدنسوها. عاش فيها كما قال جدّه القديم حين سألوه كيف يمكنه العيش في هذه الصحراء. قال: وهل العيشُ إلا ذاك! يمشي أحدنا ميلًا فيَرْفَضُّ عَرَقًا، ثم ينصب عَصَاه، ويُلقي عليها كساه، ويجلس في قبّة يكتالُ الريح، أين منه إيوان كسرى؟! هذا الامتلاء بالحرية جعل هذا الشعب، قبل الإسلام، يطرد كسرى في يوم ذي قار من تخوم الجزيرة، وعمّا قليل سيطرد كسرى من إيوانه. الإسلام في جوهره هو تحرير الإنسان من كل استعباد لا يليق بتفرده وأن لا يخضع إلا لله تعالى. والحرية، كانت وما زالت وستبقى، هي جوهر هذا الشعب. مع نور الإسلام خاض هذا الشعب تجربة الوحدة وخرج بالنور إلى الناس من هذه الأرض ذاتها، ليدخل العرب بذلك في تاريخ الحضارة الإنسانية. بعد مقتل عثمان بن عفان خرج علي بن أبي طالب بالخلافة من يثرب إلى الكوفة ثم ذهبت إلى دمشق ثم إلى بغداد ثم تمزقت في الجغرافيا كلها. كان من الطبيعي أن تختلط الأعراق والقوميات والأديان في عواصم الدولة في دمشق وبغداد، ما أدى إلى صراعات سياسية وثقافية ممتدة حتى اليوم داخل تلك الأقاليم وعلى حدودها. لكن لحسن حظ هذا الشعب بقيت أرضه خالية من كل ما يعكر صفاء شخصيته، وبقي يخوض صراعاته مع نفسه، في صراعات قبلية معتادة محتفظا بدينه وحريته ولا يقبل الغرباء. كل منطقة خاضت نصيبها من المعارك لطرد الغرباء، نحن في جيزان خضنا معركة مع الأتراك في الحفاير 1329هـ ومعركة مع إمام اليمن في صامطة 1344 هـ . يقول أحمد بن علي خديش وقد أحسّ أن الإدريسي غير قادر على حماية المنطقة من أطماع إمام اليمن: إذا ابن ادريس ما عنده نجايه نطلب ابن سعود يعطينا حماية بالعدالة نستريح. وبعد ست سنوات سيبسط ابن سعود سلطته على جيزان ويعلن بعدها اسم الدولة “المملكة العربية السعودية”. لم تكن الدولة السعودية منذ تأسيسها غريبة على شخصية هذا الشعب، فهي منه ومن طينته، من تاريخه ومن زمانه ومن جوهره، ولهذا كان القبول بها والتوق إليها أمراً طبيعياً في كل أدوارها. أعتقد أن كثيراُ من العرب والعالم لا يفهمون سرّ العلاقة بين الشعب السعودي وقيادته، إن السعوديين يرون أنفسهم بطباعهم واعتقادهم واعتدالهم وغاياتهم ومستقبلهم في قيادتهم، حب واحترام وثقة عميقة يصعب شرحها للآخرين. في بداية دولتنا الحديثة لم تكن للدولة موارد لكن الناس وجدوا الأمن والاستقرار ولا يوجد أي مظهر مسلح خارج أدوات الدولة من أول يوم. لم تكن للدولة موارد لكن الناس استفادوا ولمسوا اهتمام الدولة بالصحة والتعليم من أول يوم.. كان لكل مواطن سلاحه لكنهم كلهم شعروا بحزم الدولة من أول يوم. كما لمسوا رحمتها من أول يوم. أنا ممن أدركوا إذاعات القومية والماركسية شمالنا وجنوبنا وغربنا وهي تنعتنا بالرجعية والتخلف، ويتبارى كل “الرفاق التقدميين” و “الأحرار الاشتراكيين” في وصفنا بالجهل والبداوة.. اليوم نحن السعوديين من الرياض ـ بلا منّ ولا فخرـ نساعد ورثة “الرفاق التقدميين” ليبصروا طريق مستقبلهم ويصلحوا خرائب شعارات أسلافهم. ولعمري إنها لحظة جديرة بالتأمل والدراسة كما هي جديرة بالسجود شكرا لله تعالى، وجديرة بأداء التحية والعرفان والوفاء للدولة والقيادة. يا أيها الناس إن تربتنا يُغترَسُ المجد، تزهرُ القِيَمُ فمجدنا المجد غير مقترَضٍ وفعلنا الفعل، تشهد الأمم إن مسّنا الضيقُ غيرَ محتشمٍ فنحن في الضائقات نحتشم قد علم الناس ما سماحتنا ويعـــــلم الناس كيف ننتقم لم نرضَ في طبْعنا، ولا علقتْ بســـــرّنا ـ مثل غيرنا ـ التُّهم قومي هم القوم لا يغيّرهم عن الهدى فاقةٌ ولا نعَم الفعل يوم السيوف فعلهم والقول، فصل المقال، قولهم * كاتب وشاعر من جيزان