«التأسيس .. و ملحمة السيادة»

في الدرعية، حيث كانت البيوت الطينية تحيط بها النخيل و يختلط صوت الريح بنداء الصلاة، لم يكن ما يتشكل مجرد كيانٍ ناشئ في فضاءٍ نجدي متحرك، بل كان وعياً يتكوّن بأن الحكم لا يُختزل في سلطة، و أن الدولة لا تُختصر في غلبة، و أن السيادة ليست تفصيلاً يُضاف بعد اكتمال البناء، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء، و منذ تلك اللحظة لم يكن السؤال من يحكم، بل كيف يُصان الأصل، و كيف يُحفظ القرار، و كيف يتحول الاجتماع من توازناتٍ متفرقة إلى مركزٍ واحدٍ يعرف حدوده و يعرف مسؤوليته .. هناك تحديداً وُضع شرطٌ لم يُكتب في نصوصٍ فقط، بل نُقش في السلوك، شرطٌ يرى أن الحكم عهدٌ لا امتياز، و أن الأسرة الحاكمة لا تحمل سلطةً فحسب، بل تحمل أمانة السيادة كاملةً غير منقوصة. حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة الأولى بمفرده و بعزيمته وحده، لم يكن يضيف اسماً إلى خريطةٍ متنازعة، بل كان يرسخ مفهوماً جديداً للحكم يقوم على ارتباط السياسة بالعقيدة، و على اقتران القوة بالمسؤولية، و على أن القرار في هذه الأرض يجب أن يصدر من مركزها لا من هوامشها، و عندما التقى بعد سنواتٍ من التأسيس مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب، أكمل مسيرته مع دعوة الشيخ كما بدأها، تثبيتاً لركنٍ أعلى في البناء، إذ ارتبط الحكم بشرعيةٍ تتجاوز الغلبة إلى الالتزام، و تجاوز النفوذ إلى التكليف، و من هنا تشكلت قاعدةٌ واضحةٌ لم تتبدل عبر القرون، أن السيادة ليست نتيجة الدولة، بل سببها، و ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل أصلاً يُحفظ في كل ظرف. سقطت الدولة الثانية، و تبدلت الموازين، و ظن البعض أن المسار انتهى، غير أن عام 1902 جاء ليؤكد أن الفكرة لا تموت بسقوط مرحلة، و أن الأصل لا يسقط بانقطاعٍ مؤقت، فعندما عاد وريث السيادة الشرعي الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن إلى الرياض و فتح باب المصمك، لم يكن يستعيد مدينةً فقط، بل كان يستعيد عهداً، و كان يعلن أن الشرط المؤسس ما زال حيًا، و أن السيادة لا تُورث اسماً تاريخياً، بل تُستأنف مسؤوليةً .. هنا تحديداً ظهر الفرق بين كيانٍ ينتهي بانكسار، و كيانٍ يعود لأنه مرتبطٌ بأصلٍ لم يُمس، فالمصمك لم يكن جداراً طينياً فحسب، بل كان لحظة استئناف لمسارٍ بدأ في الدرعية، مسارٍ يرى أن الحكم إذا فرّط في السيادة فقد مبرره، و أن الأسرة إذا تهاونت في شرط التأسيس فقدت شرعيتها. ثم اكتملت الصورة بإعلان المملكة عام 1932، لكن الإعلان لم يكن بداية، بل تثبيتاً لما سبق، فقد كانت البنية قد تشكلت، و الشرط قد ترسخ، و الخط قد استقام، و ما حدث بعد ذلك لم يكن توسعاً في نفوذ، بل تعميقاً في معنى الدولة، دولةٍ تعرف أن بقائها مرهونٌ بوفائها لأصلها، و أن قوتها لا تُقاس بحجمها فقط، بل بقدرتها على حماية قرارها، و أن الهيبة لا تُصنع خوفاً من سلطة، بل احتراماً لثبات مبدأ. و جاء عام 1973 ليضع السيادة أمام اختبارٍ عالمي، فحين اتخذ الملك فيصل قراراً سيادياً في لحظة توترٍ دولي، لم يكن ذلك اندفاعاً عاطفياً، بل ممارسةً واعيةً لحقٍ راسخ، لم يكن النفط سلاحاً بقدر ما كان رسالةً، رسالةً تقول إن الاستقلال الاقتصادي امتدادٌ طبيعيٌ للاستقلال السياسي، و إن الدولة التي تحفظ أصلها قادرةٌ على أن تقول «لا» حين يجب أن تُقال، لا بوصفها تحدياً صاخباً، بل بوصفها تأكيداً هادئاً أن القرار لا يُملى من الخارج، و أن المصالح تُدار من موقع الندّية لا التبعية، و أن السيادة حين تكون ركناً في البنية لا تتأثر بضغط اللحظة. اليوم، في عالمٍ تتعدد فيه أشكال التأثير من الاقتصاد المعولم إلى الفضاء السيبراني، و من الإعلام العابر للحدود إلى الضغوط الثقافية الناعمة، لم تعد السيادة تُختبر عند الحدود فقط، بل في البيانات، و في المنصات، و في سلاسل الإمداد، و في خرائط التحالفات، و السؤال هو هل يتغير الأصل بتغير الأدوات؟ .. تتبدل الوسائل، لكن الركن يبقى، فالسيادة هنا ليست انغلاقاً، بل استقلال قرار، و ليست قطيعةً مع العالم، بل تفاعلاً من موقعٍ ثابت، و الانفتاح لا يكون على حساب الاستقلال، و التحالف لا يتحول إلى تبعية، و المصلحة لا تُشترى بثمن الأصل، و من يعرف تاريخ ثلاثة قرون يدرك أن الثابت لم يكن الظرف، بل الالتزام بشرط التأسيس. و هكذا يمتد الخط من الدرعية إلى المصمك، و من المصمك إلى قرار النفط، و منه إلى الحاضر المتحرك، لا كمسارٍ تاريخيٍ جامد، بل كمسارٍ شرطيٍ واضح، ما دام الحكم وفياً لأصل السيادة بقيت الدولة قوية، و ما دام الأصل محفوظاً كان المستقبل امتداداً لا قطيعة، و تلك هي ملحمة التأسيس الحقيقية، سيادةٌ بدأت فكرةً، ثم أصبحت عهداً، ثم تحولت إلى دولة، و استمرت لأنها لم تُساوم على شرطها الأول، ما دام العهد محفوظاً، و ما دام الأصل ثابتاً، فإن المستقبل سيظل يسير تحت مظلة سيادةٍ كاملة، لا تُجزأ، و لا يُفرّط بها، و لا يُساوم عليها، لأنها ليست تفصيلاً في الدولة، بل هي الدولة.