حين تُوْرِق الجذور.. ويتكلم التاريخ.
مع إشراقة شمس الثاني والعشرين من فبراير، نفتح بوابة واسعةً على ثلاثة قرون من المجد المتصل، ونقف بهيبة وإجلال أمام لحظة مفصلية غيّرت مجرى التاريخ في قلب الجزيرة العربية، وأعادت رسم الجغرافيا، وتأهيل الإنسان، وأرست دعائم دولةٍ جاءت ثمرة إيمانٍ عميق، وعزيمةٍ لا تلين، ورؤيةٍ استشرفت المستقبل قبل أوانه. لم يكن يوم 22 من شهر فبراير من عام 1727م مجرد إعلان سياسي، بل كان انتفاضةً إنسانية حضاريةً ضد ضروبٍ قاسية من الفوضى والاضطراب. فحين أسس “الإمام محمد بن سعود” رحمه الله - الدولة السعودية الأولى، لم يكن يؤسس كيانًا جغرافيًا فحسب، بل كان يؤسس لمشروع دولة في وسط الجزيرة العربية، بعد أن ظلّت المنطقة ردحًا طويلًا من الزمن خارج مقومات الاستقرار الكبرى. حيث كانت الجزيرة قبل ذلك تعيش صراعًا دائمًا، قبائل متناحرة، وأقاليم مشتتة، وحياةً مثقلة بالخوف والجوع والمرض. فجاءت لحظة التأسيس لتقول إن الوحدة ممكنة، وإن الأمن قابل للتحقق، وإن الإيمان حين يقترن بالحكمة والنية الصالحة يصنع المعجزات. اتخذ “الإمام محمد بن سعود” من الدرعية عاصمة له، ومن القرآن والسنة دستورًا متمسكًا به، فكانت الدولة مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون كيانًا سياسيًا. مشروعًا يعيد للإنسان كرامته، وللأرض استقرارها، وللمجتمع تماسكه، وسكينته. من أهم ما يميز مسيرة الدولة السعودية، أن الفواصل الزمنية بين مراحلها الثلاث لم تكن إلا لحظات قصيرة في عمر التاريخ. سبع سنوات بين الأولى والثانية، وتسع بين الثانية والثالثة، وكأن التاريخ كان يلتقط أنفاسه قبل أن يستأنف مسيرته ذاتها، لأن الجذر لم ينقطع، ولأن العلاقة بين القيادة والشعب بقيت متصلة. إنها ليست قصة خمود وانبعاث، بل قصة ثبات وتجدد. فحين سقطت الدرعية، بقي المبدأ. وحين واجهت الدولة تحديات جسام صمد الولاء، وبقيت الرغبة الجمعية في استعادة الكيان. وهنا تكمن أصالة التجربة السعودية. حين نستعرض سيرة مؤسس الدولة السعودية الثالثة “الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن” طيب الله ثراه – فإننا لا نستحضر روح قائدٍ عسكريٍ فحسب، بل نسترجع رجل مشروع وباني دولة، يحمل رؤية ممتدة من عام 1727م إلى عام 1932م. لقد وحّد البلاد بعد عقود من التشتت، وأعلن قيام المملكة العربية السعودية، مستأنفًا مسيرة بدأها “الإمام محمد بن سعود” فقد مشى هذا الفارس المغوار على الرمضاء، وقطع الفيافي، مدفوعًا بإيمانٍ لا يتزعزع ومتسلحًا بعزمٍ لا يلين. فلم تكن مسيرة التوحيد نزهة سياسية، بل كانت قصيدة صبر، وعقيدة جهاد، وملحمة بناء لا تنطفي، وإعادة صياغة مجتمع متماسك. لقد نقل الجزيرة من حالة “الكانتونات المغلقة” إلى دولةٍ ذات سيادة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن العوز إلى الوفرة. وهنا بدأ فصل جديد من فصول الدولة السعودية الحديثة. “يوم التأسيس” هو تعميقٌ للهُوِيَة. وعودة إلى الجذر، وإلى لحظة الميلاد الأولى. إن الاحتفاء به هو استعادة للوعي التاريخي، وربط للأجيال بسلسلة ممتدة من القيم: الوحدة والصمود، والإيمان، والشراكة بين القيادة والشعب. إن هذا اليوم المجيد ليس مجرد حكاية تروى، بل ولادة أمةٍ من رحم الألم. إنه تذكير بأن الدولة لم تُبنَ في يومٍ واحد، بل تشكلت عبر تضحيات جسام، وشهداء أبرار، ورجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وأن الاستقرار الذي نعيشه اليوم لم يكن منحة مجانية، بل ثمرة قرون من الكفاح الطويل. في عهد “خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز” حفظه الله ورعاه - ذلكم الحاكم الذي يحمل ضميرًا حيًا، ويستحضر وصية المؤسس في كل قرار، تؤكد الدولة السعودية – من جديد - وعيها التاريخي العميق إنه لا يدير الحكم في مرحلة فحسب، بل يقود ملحمة تاريخية. فهو ابن المدرسة السعودية العريقة التي عمرها أكثر من ثلاثة قرون، وحارس ذاك الجذر العميق، وصلة الوصل بين الدرعية والرياض الحديثة. إنه الملك الإنسان الذي يقف إلى جانبه ولي عهده الأمين “صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان” سلمه الله - الذي يمثل الجيل الذي يحوّل الحلم إلى أرقام، والرؤية إلى مشاريع، والطموح إلى واقع ملموس. وحين أُطْلِقَت رؤية “السعودية 2030” لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل كانت تدشينًا لحقبة جديدة من عمر الدولة السعودية المجيدة. إننا لم نعد نحلم فحسب، بل رأينا الحلم يتحقق قبل أن نستفيق من دهشته. من تنويع الاقتصاد، إلى تمكين المرأة، إلى كثافة التوظيف، إلى التحول الرقمي، إلى المبادرات البيئية الكبرى. كلها فصول حديثة في ملحمةٍ كُتِبَ أول سطر فيها عام 1727م. إن هذا الامتداد الإنساني ليس منفصلًا عن “يوم التأسيس” بل هو نتيجة طبيعية لدولةٍ قامت على قيم العدل والتكافل والمساواة. فالدولة التي بدأت مشروعها بإرساء الأمن الداخلي، هي ذاتها التي تمد يدها اليوم لإغاثة الملهوفين، وإعانة المنكوبين حول العالم. يوم التأسيس هو قنطرة بين زمنين: زمن التشتت الذي تجاوزه الأجداد، وزمن الطموح الذي يبنيه الأحفاد. هو وعدٌ بأن الوحدة ستبقى سر بقاء الوطن، وأن (معادلة القيادة الحكيمة، والشعب الوفي) ستظل أساسًا صُلبًا في صناعة المستقبل. وعندما نحتفل بذكرى “يوم التأسيس” فإننا لا نستدعي ذكرى عابرة، ولا نستحضر حدثًا تاريخيًا محدود الأثر، ولا نحتفل بالتاريخ لكي نغفو في أحضانه، بل لنستمد منه العزم. ولا نستعيد الأمجاد لنتوسدها، بل لنغذ السير في رحلة البناء الظافرة. في ذكرى يوم التأسيس، نقف إجلالًا للإمام المؤسس” الإمام محمد بن سعود” واعتزازًا بالمؤسس الموحد” الملك عبد العزيز” وفخرًا بالقيادة الراهنة “الملك سلمان بن عبد العزيز” التي تحمل مشعل النصر بعزم وثبات. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل “يوم التأسيس” موعدًا متجددًا مع الجذور الراسخة، ومنطلقًا دائمًا نحو مستقبلٍ زاهرٍ بعون الله تعالى.