إطلالة على المشهد ووقفة عند قصيدة (فارس اسمه الوطن) للشاعر جاسم الصحيح..
التأسيس ولاء وهوية وانتماء.
يوم التأسيس في المملكة العربية السعودية ليس مناسبة عابرة ؛ بل مفصل تاريخيٌّ وعلامةٌ فارقة انعطفت بالمنطقة كلّها إلى منحىً جديد ؛ إذ تمّ بناء كيان وطيد الأركان ، شامخ البنيان له مكانته التي جعلت منه ذا موقع قياديٍّ يمتلك أزمّة الأمور ، و يوجّه دفّة السفينة التي تمخر عباب الأحداث لترسو على شاطيء الأمان، ومركز ثقل يحفظ التوازن في مراحل حسّاسة؛ فالأنواء تتقاذف الشرق العربي من كل جانب ، والمملكة العربية السعودية تُمسك بزمام القيادة و القدرة على التوجيه والتأثير ؛ وقد انبنى ذلك على اليوم الذي تأسّس فيه هذا الكيان الشامخ ؛ وليس هذا من قبيل التغنّي و التمنّي ؛بل هو حقيقة الحقائق و لب اللباب . فالتأسيس ليس مجرد خطوة عملية في بناء هذا الصرح الشامخ أو إنشاء دولة وكيان له مكانته فحسب ؛ بل فعل له أبعاده التي تضرب في عمق الزمان و تنداح في أرجاء المكان على اتساع فضاءاته ؛إذ ثمّة واقع جديد أشبه بالحائط الاستنادي الذي يكفل سلامة البنيان و يعصمه من الانهيار ، وتتوفّر له المقومات والأسس ، و منظومة القيم عقد ية و فكرية ؛ فقد ولد في منطقة تشوبها شوائب الفرقة و العصبيّة والفوضى و التخلف ، وفجوات عديدة تفتقر إلى من يسدّها و يأمن غوائل من يتسلّل من خلالها . فالتأسيس مبادرة وفعل مبدع (فعل ابتداء ومشروه بناء) لا عملية ترميم أو ترقيع وسدٍّ للذرائع واتقاءٍ للغوائل، لا يكتفي بالتوصيف و التعديل ؛ بل بالتخطيط و التنفيذ و المتابعة و التطوير ، فعل من أهم خصائصه الإنشاء و الإبداع . إن تأسيس الدول يقتضي الوعي بأهمية التنظيم و التكوين ؛ أما التنظيم فينهض على التخطيط المسبق الذي يرتكز على صلابة الأرض ممثلةً فيما سبقت الإشارة إليه من أبعاد عقديّة واجتماعيّة واقتصاديّة و سياسيّة ؛ فثمة سلطة شرعيّة وبيئة جاذبة صالحة و مهيّأة ، ومجتمع يثق بقيادته ويؤازرها وإطار قانونيٍّ ناظم وقيادة حازمة ضابطة حامية ونظام قانوني حاكم. إن يوم التأسيس الذي يتمثّل في التئام بعدين أساسيين وشرطين ضروريين لقيام دولة قويّة مستقرّة قد توفرت في ذلك التوافق بين الدعوة الوهابية التي تمثّل القاعدة العقدية والقيميّة والتشريعيّة الضرورية لإنشاء الدولة و القوة الحامية التي تذود عنها فقد كفل ذلك الإمام محمد بن سعود ، فكانت البداية تاسيسا للمُعتَقد وتمهيداً للبناء ؛ حيث تحوّلت الدرعية إلى منطلق للتنوير وقاعدة للقيادة ومرتكزاً للشرعيّة؛ فالتفّ حولها المجتمع وجعلها مناط أمله وخلاصه من كوابيس العصبيّة والتّشتت و التخلّف وبناء ثقافة جديدة خالية من مُخلّفات الفرقة وأسباب الصراع ، فأصبحت مهد أول تجربة حكم رشيد مستقر في الجزيرة العربية بعد سنوات من التشتّت و التيه بين قوى داخلية مُمزّقة وخارجية متسلّطة، وحكم قَبَلي تسوده المنازعات و التحالفات التي تتبدّل وتتغيّر وفق الأهواء و المصالح ؛ فثمة كيان سياسي سبق المعاهدة التي عقدت بين الإمام و الشيخ ؛ إذ كانت الدولة بمفهومها السياسي قائمة ؛و كان الوضع السياسي مستقرّاً و القرار موحّداً والأمن الداخلي متوفّراً ؛ وقد تم الانتقال من منطلق التعصب القبلي إلى منطق الدولة ، ويشهد مؤرخو تلك الفترة على مستوىً عالٍ من الأمن و الأمان ؛ فقد كانت الطرق التي يسلكها الحجيج وقوافل التجار آمنة ، والحياة الاقتصادية رائجة ، والمجتمع ينعم بالاستقرار ، ولم تعد الحياة القبلية مضطربة ؛ فثمة ما يمكن أن نصفه بالسلام الاجتماعي ، وهو من أبرز مُنجزات تلك المرحلة ، وقد تبلورت الهوية الوطنية بملامحها الإسلامية السمحة الخالية من البدع و الخرافات و مظاهر الشرك ، فنبتت ثقافة سلوكيّة مستقيمة في ظل تلك المناخات الصافية الخالية من المشاحنات و النزاعات التي كانت تسود في بعض أرجاء الجزيرة العربية ؛ ولعل أهم ما يمكن أن نستنتجه من الحفاوة بيوم التأسيس ، ما تشي به هذه المناسبة من دلالات ومؤشرات تؤصّل لمفهوم الدولة الراسخة الجذور بتقاليدها السائدة استقامةً على سواء السبيل واستلهاماً لملكة سياسية راشدة تتطلّع إلى العدالة والتنمية و التطور ، يمتد تاريخها لثلاثة قرون وتنمية الوعي بأهمية القيم التي رسّختها هذه المرحلة ،ولعل العبارة التالية التي قرأتها وأثبتها هنا عن يوم التأسيس تلخص جوهر المرحلة “يوم التأسيس هو الاحتفاء بلحظة وعي سياسي سعوديّ مبكر، أدرك معنى الدولة قبل اكتمال شكلها،وبنى الشرعية من الداخل،فكان التأسيس أصلًا، والتوحيد امتدادًا” وقفة عند قصيدة (فارس اسمه الوطن) للشاعر جاسم الصحيح إن ما قيل من شعر في يوم التأسيس يعبر عن روح الانتماء للوطن ، وما أشير فيه إلى هذه المناسبة يعدُّ من الشعر الاحتفالي الذي يهتم بالبعد التاريخي ويعبر عن ابتهاجه وانتمائه ، ولكن الشعر الوطني بعامة يفضي إلى الاحتفاء بتاريخ المملكة وأمجادها وينتمي إلى هذا اليوم المجيد ، وقد رأيت أن أقف عند نموذج منها وأقربها إلى خصوصية هذا اليوم وما يرمز إليه ، و لعل قصيدة الشاعر جاسم الصحيح (فارس اسمه الوطن ) من القصائد التي تُعدّ نموذجاً فنّيا مُتقدماً في ها المجال، فهو يستهلّها بصورة حيّة يرمز فيها إلى قيم البطولة و النخوة والفروسيّة حيث يتماهى الوطن مع الفارس في مشهدٍ حيٍّ يجوب أنحاء البلاد: هنا وطني؟! أَمْ فارسٌ في المدَى يعدو ؟! إذا وَدَّعَ (الدهناءَ) تَحضُنُهُ (نَجدُ) وإن أكمل الإسراء نحو تهامة تفتّح في ورد الحجاز له ورد وإن هبّ تلقاء الجنوب تسلّحت تضاريسها حيث الحبال له جند وإن مال نحو الشرق فاضت تحيّة من البحر يلقيها على شخصه المدّ هنا وطني أم فارس من تمدّن على مهرة الإسمنت يطوي لها البعد ويمضي الشاعر في هذه القصيدة على رسله يتقرّى جوهر الأصالة و الحداثة التي هي امتداد واستجابة لروح العصر دون تهجين أو تفريط بالقيم الأساسية التي يعتصم بها هذا الوطن المجيد. ولو توقّفنا ولو قليلا عند جماليات هذا النص لوجدناه يجمع بين الاعتداد بالانتماء لهذا الوطن والاعتزاز به على نحو ينسجم مع طبيعة الشعر عبر التصوير الفني بعيداً عن التقرير ؛ فقصيدته أشبه يلوحةٍ فنّية ناطقة تنتظم فيها الحركة وتتّسق فيها الرؤيا كما هو معهود في أسلوب الشاعر في مجمل قصائده : أناقة في التعبير وانتظام في التصوير وحركة محسوبة تراعي نسق العلائق بين عناصر النص دون دوجمائية جامدة أو تصريحيّة فجّة ، بل أنساق في عقد نظيم وسياق متّصل ونُقلات حيّة من حقل إلى آخر ، حيث تحضر في القصيدة الملامح الإنسانيّة و الكونيّة و القيميّة والأشياء والأحياء في تتابع فنّي بعيد عن الرتابة ، يحتفل بالروح في حراكها الخفيّ فتنتظم المشهد كله ، فنحن في هه القصيدة نتصفّح التاريخ بمنطق الشعر وروحه، ونستشرف الأمجاد من شرفة هذا الفن في إطلالته من نافذة التاريخ ونستشعر المحبة من عمق الوجدان ، ونقرأ الانتماء في سيرة الأجداد ، فالشاعر وهو يستعرض الماضي ينطلق من حلبة الحاضر ويسلّط عدسته على مختلف الزوايا وكانه يجيب على أسئلة يفترضها عبر ملكة الخيال التي يجوب بها حلقات الحوار ويستقريء الأفكار ، وما يجول بالخواطر ويسدّ النوافذ التي يتسلل منها ظلام الزيف والاتهام . ؛ فالوطن يضاعف في بنك الحياة رصيده وهو (فوق التعاريف كلها) : فما تفتأ الدنيا تهرول نحوها حجيجا حجيجا و الرياض لها قصد فنحن أمام مشهد حسّي ولكنه ينطوي على معانٍ كبرى و يوميء إلى مفاهيم سياسيّة ودينيّة واقتصاديّة في حيوية دافقة ، فحسّية المشهد ليست مجرد صورة بصرية ؛بل محتشدة بالمعاني حافلة بدراما عاطفيّة وفكرية تلمّ بما قد يدور في الأذهان أو يخالج المخيّلات . وهوإذ يخاطب الوطن ينطلق إلى آفاق بعيدة تلامس الجوهر و تصيب المِفصل و تستحضر العقيدة : فيا وطنا ما أنكر الشعب لحظة وهل ينكر القرآن ما أثبت الحمد هذا التساؤل الذي ذيّل به ما قبله من تفوق الوطن على كل التعاريف يأتي ليلقي بالحجة الدامغة على التكامل و التعاضد في أسلوب الاستفهام الذي يحمل معنى النفي و التقرير الذي يعضده بحسم وصرامة في تمثيل بالغ الدلالة بك ابتدت تقييمها الأرض والتقى لديك المدى وال(قبل) وال(بعد) فصل المقال وخاتمة المطاف .