رمضان..

حين تراهن الدراما على ذاكرة قصيرة.

في رمضان، لا يتغير الوقت فقط؛ تتغير العادات ونظام النوم ومواعيد الطعام ونوعيته، لكن الشيء الوحيد الذي يبدو أنه لا يتغير كثيرًا هو الدراما العربية، التي تدخل الموسم كل عام وكأنها تطمئن إلى أن المشاهد ينسى سريعًا، فرمضان هو موسم الحكايات بلا منازع، عشرات المسلسلات تُنتَج من أجل المشاهد العربي الذي يقيم على الكنبة بعد وجبة دسمة وأمامه صحن سكريات، لزوم القعدة والتحلية، يتنقل بالريموت كونترول بين عوالم متخيلة بحثًا عن قصة تُشبهه أو تُدهشه أو تضحكه، والغاية في النهاية هي التسلية، رمضان موسم الدراما الكبير، والذي تكشف فيه القنوات عن أفضل إنتاجاتها وقد تكون أسوأها. وبينما أقلب أنا كذلك بالريموت وبين يدي صحن السكريات و فنجان قهوة، أطير من مسلسل إلى آخر، من الدراما السعودية التي ما تزال أغلب أعمالها تدور في حلقة مفرغة؛ الفكرة تُعاد صياغتها ثم تُعاد ثم تُعصر حتى تفقد نضارتها، و المشكلة ليست في قلة المواضيع بل في غياب حس المغامرة الفنية، إلى الدراما المصرية التي تبدو في هذا العام أكثر وعيًا بضرورة التغيير، وكأنها قررت الخروج من مشاهد الحارة القديمة والهشك بشك و معارك تجار السلاح، وكأن هناك تنوّع أوضح ومحاولات جادة لكسر القوالب الجاهزة وهي خطوة ممتازة، أما الدراما السورية — التي كانت يومًا معيار الجودة عربيًا — فقد عادت هذا العام وكم حملنا الشوق إليها، لكنها عودة مرتبكة كعائد منهك من معركة طويلة، و ما يلفت الانتباه ليس ضعف النصوص بل هذا الارتباك في الرؤية، والإصرار على إسناد أدوار شبابية إلى نجوم تجاوزوا تلك المرحلة العمرية منذ زمن، ليست المسألة انتقاصًا من قيمة الممثل، بل دفاعًا عن منطق العمل حين يقوم ممثل بآداء أدوار هي في الحقيقة تصلح لمن هو أصغر بكثير .. في «مسلسل مطبخ المدينة» مثلاً يؤدي (عبد المنعم عمايري) دور ابن (عباس النوري) هل يُعقل ! فالرسالة الضمنية ليست فقط أن هناك خللًا في الاختيار بل في الاستخفاف بقدرة المشاهد على الملاحظة. و في الدراما الخليجية تظهر محاولات جادة — خاصة في بعض الأعمال الكويتية التي اتجهت إلى الواقعية والأخذ من الحوادث والقصص التي حدثت بالفعل كرافد لعمل فني جيد وهي خطوة ذكية، تعكس إدراكًا بأن الجمهور لم يعد يكتفي بالسطح، شاهدت كذلك عمل كويتي مأخوذ عن رواية للكاتبة الكويتية (بثينة العيسى) وهو مسلسل «جناية حب» وهو عمل متماسك الإيقاع وجميل ومحدود الحلقات، وهي ميزة في زمن التطويل المرهق، لكنه هو الآخر يقع في الفخ ذاته: فجوة عمرية تضعف الإقناع، حين يؤدي الفنانون أدوار لشباب في الجامعة بينما الأعمار الفعلية لهم تتجاوز الأربعين بكثير، وهذه سقطة لا تغتفر فالدراما الكويتية نشأت أمام عيني المتابع الخليجي ولا يمكن التلاعب بوعيه وذاكرته، و المشاهد العربي اليوم أكثر خبرة بسبب منصات البث العالمية، والانفتاح على تجارب متنوعة، رفعت سقف التوقعات، لم يعد يقبل بسهولة أن تُفرض عليه حبكة مهترئة أو اختيار غير منطقي فالتسلية لا تعني التساهل والمتعة لا تعني التغافل. و الرهان الحقيقي ليس على كثرة الإنتاج، بل على احترام وعي المتلقي، وحين تفقد الدراما إيمانها بذكاء مشاهدها تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، ورمضان في النهاية ليس موسم ملء ساعات الفراغ بل موسم اختبار الصدق الفني، ومن المؤسف أن تراهن الدراما على ذاكرة قصيرة.... رمضان كريم.