خارج الأقواس، إلى حيث ينتهي الزمن.
انطفأت في جدة شمعة كانت تضيء دروب الكلمة والفكر منذ عقود. غادر الدكتور سعيد مصلح السريحي الحربي، أبو إقبال، بعد رحلة طويلة مع النزيف الذي أنهك الجسد، لكنه لم يقدر على أن يطفئ الروح التي كانت تتنفس في سطور كتبه وأعمدته. رحل الرجل الذي انتصر للكتابة داخل الأقواس، وفارق الحياة خارجها، كما قيل عنه في وداعه الأول. ولد سعيد في حي الرويس بجدة عام 1373هـ، ذلك الحي الذي كان وعاءً للذاكرة واللغة والروائح والأصوات. في روايته «الرويس»، لم أعاد تشكيل الزمن: زمن البدايات المتواضعة، حيث يتعلم الفتى أن الكلمة سلاح وملاذ وجرح في آن. تخرج في اللغة العربية من جامعة الملك عبدالعزيز، ثم أكمل دراساته العليا في النقد بجامعة أم القرى، حيث درّس وألهم أجيالاً. لكن قلبه كان معلقاً بالصحافة؛ في «عكاظ» قضى ثمانية وعشرين عاماً، يشرف على أقسامها الثقافية، ويكتب زاوية «ولكم الرأي» التي صارت منبراً للرأي الجريء، يجمع بين بلاغة القديم وجرأة الحديث، بين الفلسفة والإنسانية العميقة. كان سعيد السريحي ناقداً يحفر في طبقات الخطاب الثقافي كأنه يبحث عن كنوز مدفونة تحت حجاب العادة. في كتابه «حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم»، كشف عن جذور الكرم كفعل أنثروبولوجي، لا مجرد خلق أخلاقي. وفي «غواية الاسم؛ سيرة القهوة وخطاب التحريم»، جعل من القهوة مرآة للتحولات الاجتماعية والدينية، يتتبع فيها غواية الاسم وسلطة التحريم. أما «الكتابة خارج الأقواس»، فسيرة ذاتية وتأملات في الذات والزمن والكتابة كفعل وجودي. كتب «ذباب الوقت: تدوينات على جدار الحجر»، فكأنه يهمس للقارئ: الوقت ذباب يحوم، لكن الكلمة تبقى شاهداً على ما مضى. كان أسلوبه مزيجاً فريداً: بلاغة عربية أصيلة تتدفق كالنهر، مع جرأة فكرية لا تخشى المواجهة، ولمسة إنسانية تجعل القارئ يشعر أن الكاتب يحدثه شخصياً. قال ذات مرة إن «النسيان موت مضاعف»، فكتب ليحارب النسيان، ليخلّد اللحظة والمكان والإنسان. رحيله ليس نهاية صفحة، إنما انتقال إلى فضاء أوسع، حيث تستمر كلماته في الحفر في الذاكرة الجماعية. رحم الله أبا إقبال، الذي جعل الكتابة شهادة حية على الحياة. أسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وتلاميذه ومحبيه الصبر الجميل. إن الثقافة العربية اليوم تفقد صوتاً تنويرياً، لكنها تحتفظ بإرثه: إرث يقاوم الفناء، ويبقى شاهداً على أن الكلمة، حين تكون صادقة لا تموت.