أفنى عمره في خدمة الثقافة.. تأليفًا ونقدًا وتعليمًا وصحافةً..

سعيد السريحي.. الناقد «التنويري» وأحد رموز الحداثة في المملكة.

الكاتب والأديب والناقد والإعلامي سعيد السريحي الذي رحل عن دنيانا مؤخراً، من مواليد حي الرويس بمدينة جدة عام 1373هـ (1953م) وكانت نشأته في ذلك الحي الذي ألّف عنه رواية فيما بعد، أبرز فيها ذكرياته بكل ما في ذلك الحي من عراقة وتميز وتناقض وفوارق اجتماعية. أتم سعيد السريحي دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في جدة، ثم أكمل تعليمه الجامعي والدراسات العليا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حيث درس اللغة العربية بكلية الشريعة ثم بكلية اللغة العربية. تكونت ذائقته الأدبية مبكرًا حيث كان صديق طفولته عايد الرفاعي يعيره كتبًا لكبار الكتاب المصريين، وعن ذلك قال السريحي في لقاء سابق مع (اليمامة): “عايد كان سرًا غامضًا بالنسبة لي؛ أنا لا أعرف حتى اليوم من أين كان يأتي بالكتب. كان والده كوالدي: أقرب إلى الأمية. وكانت أمه كوالدتي: أمّية تمامًا. لم يكن وريث مكتبة في البيت، ولم أكن كذلك. ومع ذلك كان عايد يأتي مُخبئا في كتب المدرسة بكتبٍ لطه حسين، لنجيب محفوظ، ولطفي المنفلوطي، والعقاد. ثم يُريني هذه الكتب… ثم أفضَلَ عليّ بإعارتها. كنا في الصف الخامس والصف السادس. كان عايد هو مكتبتي. ما زلت أحتفظ في مكتبتي بكتابٍ لطه حسين من إهداء عايد وهو كتاب حديث الأربعاء. ولا أعرف إلى الآن من أين كان يأتي عايد بهذه الكتب، وأنا لا أتذكر أنني سألته، وفات عليَّ أن أسأله… عايد كان بالنسبة لي هو النافذة لأن أقرأ، لأن أشعر بأن ثمة ما هو مختلف عن كتب المدرسة، وأن العالم أوسع من هذه المقررات”. وبعد تخرجه، عمل “أبو إقبال” في التعليم لعقدين من الزمان، قضى السنتين الأوليين منها في التعليم العام، قبل أن يعمل بجامعة أم القرى لمدة ثمانية عشر عامًا. كان السريحي رائدًا من رواد الأدب والحركة الثقافية في المملكة، ورمزًا من رموز الحداثة ليس في المملكة فحسب، بل في العالم العربي بأكمله، إذ كان من أوائل الحداثيين لأنه يرى أن الإبداع لا يجب أن يقيد، وكان يدعو دائمًا إلى التفكير الحر والإبداع خارج المألوف. وعن الحداثة وحرية الكتابة قال: “قبل أن أؤمن بالحداثة، أنا أؤمن بحرية الإنسان، بحرية اللغة. قلتُ لأحد الأصدقاء مرة: كن حرًا، حتى لو كتبتَ بالسواحلية! الشرط الوحيد: أن تكتب شيئًا جميلًا. شيئًا راقيًا”. رفض شهادة الدكتوراه اللافت أن جامعة أم القرى رفضت منح سعيد السريحي درجة الدكتوراه ولم تجز أطروحته التي حملت عنوان (التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي)، والسبب كما جاء في خطاب وجهته له عام 1989م: «لما اشتملت عليه من أفكار لا تتفق وتعاليم الدين»، مطالبة السريحي بالتوبة والرجوع عن الأفكار والعبارات والمنهج الذي سار عليه مع إعطائه فرصة لاختيار موضوع آخر، وأثار قرار الجامعة جدلًا كبيرًا بين مؤيد ومعارض. لم يزد ذلك الرفض الأديب السريحي إلا إصرارًا وثباتًا على موقفه، فقد كان صاحب مبدأ وذا شخصية قوية يغلفها التواضع والطيبة الصادقة، وقال تعليقًا على ذلك: “الانتصار لن يكون للانغلاق مقابل الانفتاح، ولن يكون لزيف الوعي مقابل الوعي الحقيقي، ولن يكون للقبح مقابل الجمال. كنا نراهن على وطنٍ منفتحٍ، وها نحن نعيش هذه الحقبة من وطننا. كنا نراهن على حرية التواصل مع العالم، وها نحن نمارس هذا التواصل اليوم. كنا نراهن على حقوق الناس، رجالًا ونساءً، وها نحن نشهد هذا العصر. كنا نراهن على أن المستقبل سيكون للمستقبل، وكانوا يراهنون على أن يكون المستقبل صورة منعكسة من الماضي. لم ننتصر نحن، وإنما انتصر التاريخ؛ والتاريخ لا يمكن أن يمضي إلى الخلف، هو يمضي إلى الأمام دائمًا، مهما حاول بعضهم أن يضع العصا بين قدميه”. العمل الإذاعي والصحافي وبعد التعليم، اتجه للعمل الإعلامي حيث عمل في الإذاعة لفترة وجيزة، حيث كتب الدراما التاريخية في الإذاعة، ثم برنامج «رواد من بلادي»، وبرنامج «أدباء من بلادي»، ثم كتب دراما إذاعية رمضانية يومية عن أبي تمام، وأُذيعت في رمضان عام 1405هـ، وكانت تلك آخر عهد له بالعمل الإذاعي، حيث التحق بعدها بصحيفة (عكاظ)، ولم يكن بوسعه التوفيق بين الجامعة وعكاظ والإذاعة. قضى السريحي ما يقارب 28 عامًا في بلاط صاحبة الجلالة (الصحافة) متنقلًا بين العديد من المناصب في صحيفة (عكاظ) التي أمضى فيها جل مسيرته الصحفية، حيث تولى الإشراف على القسم الثقافي والشؤون المحلية والشؤون الدولية والأقسام التنفيذية، كما عمل مساعدًا لرئيس التحرير ثم نائبًا مكلفًا لرئيس التحرير، قبل أن يتقاعد عن العمل الإداري عام 1433هـ ويتجه لكتابة المقالات في زاويته الشهيرة (ولكم الرأي). مؤلفاته ألف السريحي العديد من الكتب في مجالات الأدب والنقد والثقافة والرواية والشعر، وكان عضو مجلس إدارة بنادي جدة الأدبي الثقافي سابقًا، والمشرف على جماعة (حلقة جدة النقدية) تحت مظلة النادي الأدبي بجدة، ورئيس تحرير مجلة (علامات) الصادرة عن نادي جدة الأدبي الثقافي، كما كان عضو تحكيم جائزة بلند الحيدري وجائزة الطيب صالح وجائزة محمد حسن عواد وجائزة الشاعر محمد الثبيتي وجائزة صدام حسين عام 1989. وأسهم السريحي بجملة من الأبحاث والدراسات في منتديات ومؤتمرات داخل المملكة وخارجها، كما حاضر في العديد من الدول والمدن العربية مثل بغداد والكويت والبحرين والشارقة وأبو ظبي ومسقط وعمّان ودمشق والقاهرة والاسكندرية وتونس والجزائر العاصمة والرباط والدار البيضاء، وشارك في مهرجان المربد بورقة بعنوان: (سلطان الحرف) وذلك عام 1987م، كما حاضر في مهرجان أصيلة ومعهد العالم العربي بباريس والجمعية العربية السويسرية في زيوريخ. والراحل رحمه الله، كان غزير التأليف ومن أشهر مؤلفاته: - شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد. - الكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد. - تقليب الحطب على النار: دراسات في السرد. - حركة اللغة الشعرية: مدخل لقراءة شعر المحدثين في العصر العباسي. - حجاب العادة: أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة. - غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم. - أيديولوجيا الصحراء: نشأة الأدب الحديث في الحجاز. - الرويس (رواية). - العشق والجنون. - الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد. - لك النور (ديوان شعر). وغيرها الكثير. كرمه النادي الأدبي الثقافي بالشراكة مع جمعية الثقافة والفنون بجدة في عام 2022، بحضور كبار المثقفين والأدباء، كما كرم في اثنينية الشيخ عبدالمقصود خوجة، وفي العديد من المناسبات الأخرى. عانى في أواخر حياته من المرض، وانتقل إلى جوار ربه يوم الأربعاء 23 شعبان 1447هـ الموافق 11 فبراير 2026م، وبرحيله فقدت الأوساط الأدبية المحلية والعربية قامة مميزة أثرت الساحة بإسهامات ونقاشات ومؤتمرات ومؤلفات أضافت الكثير وستظل معينًا ينهل منه الجميع. --------- الدبيسي: أعاد قراءة التراث بعينٍ نقدية منفتحة قال الناقد الأدبي د. محمد إبراهيم الدبيسي لـ (اليمامة) عن رحيل سعيد السريحي: “كان سعيد السريحي — رحمه الله— أحد أبرز الأسماء الثقافية الفاعلة في الحقلين الصحفي والأدبي في المملكة العربية السعودية، منذ بدايات الثمانينيات الميلادية، إلى قُبيل وفاته. وقد جمع بين الكتابة الصحفية، والرؤية النقدية العميقة، التي تجلَّت في عديد من مؤلَّفاته، واستثمر موقعه الصحفي في صحيفة عكاظ، في التبشير بالحداثة الأدبية، ونشر أفكارها، والمشاركة في السجالات والحوارات حولها، إلى جانب حفاوته بالأقلام المبدعة الناشئة في تلك المدة في جميع الفنون. وقد تجاوز حضوره الحقلَ الصحفي، الذي عمل فيه، إلى فضاء التأثير الفكري الواسع؛ حيث عُرف بمشاركاته ومحاضراته الأدبية والثقافية المتنوعة، في الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة في جميع مناطق المملكة، واتسمت أطروحاته بالعمق، والتحليل الهادئ، واللغة الرصينة، في تناوله قضايا الأدب والهوية، والتحولات الفكرية، بروحٍ تأملية، ومسؤولية معرفية. كما ارتبط اسم السريحي بالحراك الثقافي والأدبي، في مدينة جدة تحديدًا، بواسطة نشاطه البارز في نادي جدة الأدبي، الذي أسهم من طريقه في تنشيط الحوار حول الحداثة، والنقد، والمناهج المعاصرة. ومن مظاهر نشاطه النقدي، ومكونات شخصيته المعرفية؛ وعيه العميق بقضايا التراث الأدبي العربي، وتناولها في بعض ما نشره من كتب، وكان ينشد توسيع أفق الأسئلة حول عديد من تلك القضايا، وإعادة قراءة التراث بعينٍ نقدية منفتحة. وإجمالًا فقد أسهم سعيد السريحي في ترسيخ نموذجٍ للمثقف الذي كان يرى في الصحافة منبرًا للتنوير، وفي النقد طريقًا لبناء الوعي الثقافي”. العارف: ورحل صاحب الإبداع والتميز النقدي والشعري أما د. يوسف حسن العارف فقد كتب: “يجيئنا السيد/الموت.. يجيء كالطير.. يلقط من صدرك الأغنيات.. ومن كفك بعض أصابعها.. ومن قلبك الأوجه الطيبة!!”.. هكذا رثى (سعيد السريحي نفسه) قبل أربعين عامًا!.. ففي عام 1407هـ وتحديدًا في 27 محرم 1407هـ نشرت مجلة اليمامة قصيدة للسريحي بعنوان/ ثلاث صفحات من كتاب الموت، اقتبست منها المفتتح أعلاه!! * * * كنت قد أخرجت كتابًا عام 1432هـ/2011م بعنوان: في حضرة السيد الموت (مراثي)، وهذا العام نشرت كتابًا جديدًا بعنوان: أجسادنا تحت التراب.. أرواحنا في جنة النعيم!! وكلا هذين الكتابين يتعالقان مع خطاب الموت الذي بثه سعيد السريحي في تلك القصيدة - وذلك النَّص المشار إليه!!. إنه (السيد الموت) الذي يفجؤنا فيلتقط من صدورنا أحلى الأغنيات، ومن كفوفنا بعض الأصابع، ومن قلوبنا الأوجه الطيبة!!. وها نحن اليوم نواجه (السيد الموت) الذي أخذ منا وأبعد عنَّا، حبيبنا سعيد السريحي الذي كان أحد الأغنيات المفعمة بالحب والصدق والنورـ وأحد الأصابع التي تشير إلى الحق والجمال والإنجاز، وأحد الأوجه الممتلئة معرفةً وعلمًا ونبوغًا.. يرحمه الله!!. * * * تلقيت خبر الوفاة من حبيبنا محمد باوزير الذي أرسل لي مساء الأربعاء 23/8/1447هـ ماغرد به الصحافي الجميل عبدالله الحسني قائلاً: “كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *** فليس لعين لم يعض ماؤها عذر رحم الله الناقد الكبير والمثقف العميق الرصين. د. سعيد السريحي”. ثم تتالت الأخبار عبر رسائل التواصل الاجتماعي ولما لم يعد إلا التصديق بهذه الحقيقة كتبت عبر هذه الوسائل: “رحم الله الفقيد سعيد السريحي وجعله من الأبرار.. رحل رجل الكلمة والمواقف التي لاتُنْسى.. ورحل صاحب الإبداع والتميز النقدي والشعري.. صاحب الإنجاز والعطاء والروح الإنسانية!! يرحم الله الفقيد ويؤنسه بالجنة والفردوس الأعلى.. ويلهم أسرته الصبر والاحتساب”. * * * رحل السريحي بعد معاناة المرض!! أكثر من أربعة أشهر قضاها في العناية المركزة جراء جلطة في الدماغ.. ولعلها كانت تطهيرًا وتكفيرًا، فقد أُثِرَ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها.. إلا كفر الله بها من خطاياه”. كنت حريصًا على زيارته وتواصلت كثيرًا مع الشاعر والصحافي المبدع هاشم الجحدلي للاطمئنان والسؤال، ولكن الظروف لم تسمح وللأسف الشديد!!. رحل (سعيد السريحي) يرحمه الله رحيلًا مزدوجًا فغياب الجسد والروح لا يعني غياب الأثر والمنجز.. إنه الرحيل المادي أما المعنى والقيمة فلا زال (سعيد) بيننا بمنجزاته وعطاءاته. نعم انطفأ المصباح ولكن الضوء مازال فينا علامات ومشاعر ودلالات.. رحل (سعيد) ولكن كتبه ومقالاته شاهدة على قيمة وقامة (أبي إقبال/ سعيد السريحي). رحل سعيد.. ولم يكن رحيلًا عابرًا منسيًا!! بل كان رحيلًا مورقًا بالذكريات والمنجزات والشواهد في ذلك لا تحصى عددًا ولا أثرًا!! لقد حرث في أرض الأدب والثقافة.. وسعى لتنقية اللغة من الغبار وأعاد للنص هيبته وللشعر سموه وللنقد جرأته وحداثته. كان (سعيد)، شاعرًا بالفطرة.. مقلًا في الإنتاج الشعري فقد طغى (النقد) على شاعريته!! وكان سعيد ناقدًا حداثيًا بامتياز منذ رسالته عن أبي تمام وحتى كتابه عن تفكيك خطاب الصحوة/ كي لا نصحو ثانيةً!!. وكان (سعيد) من النقاد الذين يمتازون بالتقاط الأسرار الخفية من النصوص الإبداعية – جعل من النقد فعلًا حضاريًا وطريقًا للتنوير، وأسلوبًا للفهم والتأمل.. وكان (سعيد) مدرسة في النقد والإبداع الجديد يرحمه الله!!. * * * ول/ سعيد السريحي في مثواه المتوج برحمات الله ودعوات المحبين أقول: وها أنت يا سيد المدن المضيئة.. بالطُّهر.. والصافنات.. يجيئك السيِّد الموت.. يجيء كالطير يلتقط منا الأغنيات.. ومن كفنا بعض أصابعها.. ومن الأوجه التي نعرفها.. وجهك الطيب المورق!! وها أنت تسلم الروح لبارئها..تعيد الأمانة للذي أوجدها.. تخترق الزمن الفاصل بين الميلاد.. والمعاد!!. ها أنت تقطف آخر وردة من الحياة.. وتودعها قبرك الآن.. قبرك الذي يتشظى بين (الرويس) و(أم القرى).. بين (عكاظ).. و(نادي الأدب)!!. ها أنت ترحل.. بشموخك.. وإنسانيتك.. بتراثك.. وحداثتك.. تودع هذا الفضاء الملوث بالخطايا.. ولغة الطَّيش.. والشواطئ المسكونة بالمبيدات.. هاا أنت تودع هذه الزرايا.. إلى حيث البراءة.. والطهر.. والأغنيات.. إلى حيث الرحمة والمغفرة .. وجنات النعيم!!. وها أنت توقظ فينا مكامن الذهول.. ولكن قبرك الآن يحتفي.. بدعوات المحبين.. وهتافًا من (ياسين) ونَبْرةُ حزن من الأهل إذ يقفون على روحك الآفلة!!. * * * وأخيرًا فلا نملك إلا الدعاء برحمة الله والمغفرة لفقيدنا فقيد الثقافة والأدب والنقد في السعودية وعالمنا العربي.. اللهم ارحمه رحمة واسعة وأسكنه فسيح الجنان وألهم أهله وذويه الصبر وحسن القبول والاحتساب.. وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون”. السريحي: المنتمي للأرض من جانبه، كتب د. زيد الفضيل (كاتب صحفي. مدير البرنامج الثقافي والإعلامي بمركز الخليج للأبحاث) قائلًا: “منذ الوهلة الأولى التي التقيت فيها بالكاتب والناقد والأديب الدكتور سعيد السريحي وذلك قبل 30 عامًا أدركت بأني أمام شخصية معرفية أصيلة، كان ذلك في رحاب الجمعية السعودية للثقافة والفنون بالطائف، وكنت عائدًا للطائف من بعد غيبة طويلة قضيتها بالرياض، في ذلك المساء أصغيت إلى حديثه المعمق، الذي جرى تبيانه بلغة عربية جزلة، وفصاحة بيان واضحة، وبصوت أنيق في مخارج ألفاظه، هادئ في سمته، يُجبرك على الإصغاء والتأمل في كل ما يقوله وينطق به، ودون أن يشعرك بأي أثر للتصنع أو التلبس. أدركت من حينه بأني أمام شخصية معرفية مختلفة، امتلكت ناصية البيان وعمق التفكير، وكان ذلك ما تأكد لي بعدئذ وأنا أقرأ كتابه المهم “الكتابة خارج الأقواس” والذي شدني عنوانه ابتداء، ثم أسرني مضمونه حال قراءته بتمعن، وأدركت متيقنًا يومًا بعد يومٍ بأننا أمام شخصية معرفية أصيلة تُبحر بك في أفانين التذوق الأدبي في كل حديث له سواء في أروقة الثقافة ودهاليزها، أو مختلف لقاءاته المرئية، وكم كنت حظيظًا باستضافته في برنامجي الإذاعي “مدارات ثقافية” في إذاعة جدة، ثم باستضافته في بودكاست مركز الخليج للأبحاث للحديث حول بدايات الحركة الثقافية السعودية، فكان تأصيله الدقيق والأنيق في جزئين من اللقاء لمفاصل بدايات الحراك المعرفي منذ مطلع القرن العشرين وحتى اللحظة المعاصرة. على أن قيمة أخرى قد ميَّزت الأديب السريحي واستمرت مرافقة له طوال حياته منذ الابتداء وحتى غادرنا بلطف وهدوء، وتتمثل تلك القيمة في تمسكه بإنسانيته البسيطة التي تنتمي في جذورها للأرض، إذ لم يتغير في سلوكه أو طبيعته البسيطة مع كل من يعرف ولا يعرف، ولعمري فذلك سرُّ تفرده الذي جعله متميزًا عن عديد من أقرانه، فلم يأخذه الإعجاب بمعرفته عن التزامه الوثيق بكينونته المجتمعية التي ألفها منذ نعومة أظافره، فظل حتى فارقنا هو سعيد الإنسان، البسيط في حياته دون تكلف، الحيي في مقابلته للآخر، القريب من كل أحد، وتلك خصيصة قلما يدرك معناها الكثرة الكاثرة من الوهميين. هكذا عاش سعيد السريحي الأديب والمفكر والإنسان، وهكذا تمثل سيرته بتلك الروح المتواضعة والتي عبر عنها في كتابه السِّيري الذي اختار أيضًا أن يكون عنوانه مختلفًا ويعكس طبيعة تجربته فكان أن وسمه بـ”الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد”، وكأني به ظل مهمومًا بالتحرر من كل الأقواس التي تكبل المرء وتحجبه عن كينونته الأصيلة، وهو ما اشتغل عليه في إرثه المعرفي، الذي أجد بأنه قد أصبح اليوم أمانة بيد مسؤولي الثقافة، وأؤمن بأن من الواجب تبني جمع نتاجه المكتوب في مجموعة واحدة ليستفيد منها طالب المعرفة الراغب في توثيق منهجه العلمي بشكل صحيح. رحمك الله يا أبا إقبال وأخلفك علينا بخير خلافة، ودمت حاضرًا وغائبًا في قلوبنا وأذهاننا”.