لم يكن شهر رمضان في وعي المخرج العربي والسعودي مجرد إطار مكاني تزينه الفوانيس، بل كان دائماً “بطلاً زمنياً” يمتلك سلطة تغيير إيقاع الحياة. فمنذ بدايات السينما وحتى يومنا هذا، ظل “الزمن الرمضاني” هو المحرك الأساسي لصراعات الأبطال، حيث يتداخل عبق المكان مع إبداع الإنسان في تطويع الدقائق المشحونة بالترقب، لتتحول من مجرد ساعات انتظار إلى قصص ملهمة تخلدها الشاشة الكبيرة. السينما المصرية: من توثيق الحارة إلى زمن المدينة بدأ التأريخ السينمائي لرمضان مبكراً، حيث استثمر إبداع المخرج المصري “قدسية الوقت” لخدمة الحكاية الإنسانية والوطنية، محولاً الصيام من طقس تعبدي إلى محرك درامي: * “العزيمة” (1939): وثّق المخرج كمال سليم إبداع الإنسان في رسم لوحة التكافل الشعبي؛ حيث تتلاشى الفوارق الطبقية لحظة اجتماع الحي خلف صوت مدفع الإفطار، في مشهد يفيض بعبق الحارة المصرية الأصيلة. * “في بيتنا رجل” (1961): تجلى هنا الإبداع في تحويل رمضان إلى “ساتر زمني” للمقاومة في المدينة؛ حيث استغل المناضل إبراهيم حمدي وقت الإفطار والسحور للتمويه. لقد منحت قدسية الزمان فرصة النجاة، فالدقائق التي ينشغل فيها العالم بالإفطار كانت هي ذاتها دقائق العبور للمناضل نحو الحرية. * “عسل أسود” (2010): يطرح الفيلم مفهوم “زمن الانتماء”. نرى كيف يعيد رمضان صياغة الهوية في وجدان المغترب؛ فالزحام وصوت النقشبندي والشيخ رفعت هي تجليات عبق المكان المصري الذي لا يخطئه الحنين، والتي تبرز قدرة الإنسان على استعادة جذوره من خلال طقس زماني مقدس. * “إكس لارج” (2011): يعالج الفيلم الصراع الإنساني مع الذات. يتحول رمضان إلى ساحة معركة بين الرغبة والقدرة، مصوراً إبداع الروح البشرية في مقاومة شهواتها وسط أجواء العزومات واللمة العائلية، ليصبح الزمن الرمضاني اختباراً حقيقياً للإرادة. السينما السعودية: من الحنين للماضي إلى انطلاقة الحاضر والمستقبل مع النهضة السينمائية الكبرى في المملكة، ظهر إبداع الإنسان السعودي في إعادة قراءة رمضان كفضاء حيوي للابتكار والعمل، متجاوزاً الصورة النمطية للاسترخاء الرمضاني: * “بركة يقابل بركة” (2016): يقدم المخرج محمود صباغ رمضان كإطار لتعريف “الزمن الاجتماعي”. تظهر أزقة جدة بعبقها التاريخي، حيث يفرض الزمان الرمضاني نمطاً مختلفاً من اللقاءات، مبرزاً إبداع الشباب في خلق مساحاتهم الخاصة وسط قدسية هذا الزمان. * “شمس المعارف” (2020): يمثل هذا الفيلم ذروة التحول؛ حيث تحول رمضان من زمن للهجوع إلى “زمن الإنتاج والشغف”. يوثق الفيلم كيف ينقلب إيقاع اليوم في عروس البحر الأحمر، ليصبح الليل هو “النهار البديل” للعمل الإبداعي، وساعات السهر هي مضمار السباق لصناعة الأحلام السينمائية. * “الخلاط+” (2023): يغوص الفيلم في زمن المفارقات الاجتماعية. ومن خلال الكوميديا السوداء، يفكك الفيلم التوترات التي تحدث في الالتزامات الرمضانية، مبرزاً إبداع الإنسان في التعامل مع المواقف المحرجة بذكاء سينمائي يعكس واقعنا السعودي المعاصر برؤية عالمية. بركة الوقت وتجليات الإبداع الإنساني إن استقراء حضور رمضان في السينما العربية والسعودية يثبت أننا لسنا أمام مجرد “موسم”، بل أمام حالة شعورية تعيد تشكيل الوعي بالزمن والمكان. لقد نجحت الشاشة الكبيرة في تحويل “بركة الوقت” من طقس ساكن إلى طاقة درامية متقدة، بفضل إبداع الإنسان الذي استطاع أن يرى في دقائق الصيام والسهر آفاقاً لا نهائية للحكاية. تظل قدسية هذا الزمان هي الخيط الرفيع الذي يربط بين أجيال المخرجين؛ فبينما كان مدفع الإفطار قديماً ينهي يوماً من الصبر، بات اليوم في سينمانا الحديثة يعلن انطلاق ليلة جديدة من العمل والحلم والابتكار. رمضان السينمائي هو التأكيد الأسمى على أن الفن لا يوثق الحياة فحسب، بل يمنح لزمننا “ المبارك” وعبق أمكنتنا حياة أخرى تخلدها الذاكرة البصرية، وتجعل من كل تجربة إنسانية في هذا الشهر لوحة فنية متجددة الأثر.