صمت الجدران

صحيح أنها مجرّد جدران صمّاء بكماء باردة كما يتضّح لنا من الخارج لكننا لا نعلم ما يدور خلفها من احداث قد تكون صاخبة وربما مخيفة. يصفون الجدران بأنها ستر وغطاء وهي في الحقيقة أحد أسباب شعورنا بالأمان والخصوصية. البعض يبدو خارجها كالحمل الوديع لكنه خلفها قد يكون أشرس من ضبع جائع خصوصا مع أهل بيته زوجته، بناته وأولاده. السؤال: هل يجوز في هذه الحالة استبدال مقولة “للجدران آذان” لنقول خلف الجدران أسرار؟ في هذا الصدد أذكر بأنني قرأت وأنا في مرحلة الماجستير لدراسة الإعلام والاتصال عن مدى تأثير الإذاعة في هدم جدار برلين الشهير الذي كان يقسم المانيا الى قسمين شرقي يخضع للمعسكر الشرقي تابع للاتحاد السوفييتي تحت اسم ألمانيا الشرقية وغربي يتبع للمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم المانيا الغربية. تم هدم ذلك الجدار من قبل الألمان أنفسهم في أواخر عام 1989 مما مهد الطريق لوحدة ألمانيا تحت مسمى جمهورية ألمانيا الاتحادية. تم هدم الجدار عقب احتجاجات عارمة من قبل الطرف الشرقي. الذي أشعل تلك الاحتجاجات إقامة حفلات غنائية بمحاذاة الجدار من الجانب الغربي. تم نصب مكبرات صوت ضخمة تنقل للجانب الشرقي ذلك المرح الصاخب، وتم نقل تلك الحفلات مباشرة على الهواء عن طريق الإذاعات المحلية التي يستمع لها كل من يقطن في محيط الجدار شرقا وغربا. جنّ جنون الشعب المقهور شرقا فبدأوا في هدم الجدار كي يستكشفوا حاضرا تلك الحرية المبتغاة التي كان يتمتع بها الناس في الجانب الغربي وهكذا سقط الستار الحديدي، ذلك الجدار الاسمنتي الممتد لأكثر من 155 كيلومترا. لن يفوتني القول بأن الجدران ليست طوبا وأسمنتا أو عوازلا أيا كان تكوينها فهنالك ايضا جدران حسيّة كجدران النفس التي تُخفي ما تود قوله أو التصريح مما في الصدور خوفاً أو ربما حياءً أو حتى للحفاظ على حالةٍ راكدة. لا ريب بأن أكثر ما يؤثر في مصائر الناس لا يُدار علناً، بل يتم إقراره في الخفاء خلف تلك الجدران الصامتة.