المدينة بين زيارة مباركة وحنين قديم.
في المدن العادية تسجل الزيارات في الأخبار، أما في المدينة المنورة فتكتب في الذاكرة. فحين حل صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان آل سعود – حفظه الله - ضيفًا على طيبة الطيبة، لم تكن الزيارة مجرد حضور رسمي، بل كانت لحظة رمزية تختصر معنى العناية والوفاء في شهر مبارك. فالمدينة المنورة ليست بقعة جغرافية فحسب، بل قلب نابض في وجدان الأمة، ومهوى أفئدة، ومسرح تاريخ لا يزال يتنفس. وفي كل مرة تزور فيها القيادة أرض المدينة، يدرك أهلها أن العهد ليس طارئًا يستأنف، بل جذور ضاربة منذ عهد الملك عبدالعزيز– طيب الله ثراه – تمتد وتتعاظم جيلًا بعد جيل، وأن رعاية الحرمين الشريفين ليست شعارًا يرفع، بل مسؤولية راسخة تضطلع بها الدولة بعين ساهرة وقلب حاضر، فالعناية بالمسجد النبوي والحرم المكي نهج ثابت، يتجلى في التطوير المستمر، والخدمات المتكاملة، والحرص الدائم على راحة المصلين والزوار، بما يعكس مكانة الحرمين في وجدان القيادة وأولوياتها. إن ما يبذل من جهود في التوسعة والتنظيم والتأهيل ليس إلا ترجمة عملية لعقيدة راسخة مفادها أن خدمة الحرمين شرف لا ينقطع، وأمانة تصان جيلاً بعد جيل. وفي ظلال القبة الخضراء، تتلاشى الفواصل بين القرار الإداري والبعد الروحي؛ فكل شأن يتصل بـ المسجد النبوي له خصوصيته، وله وزنه لدى القيادة ولدى أهل المدينة خاصة. وفي سياق تلك الزيارة الميمونة، جاء الأمر الملكي الكريم بتعيين الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمامًا في الحرم المدني. فبدت الصورة مكتملة: زيارة مباركة وعناية متصلة وصوت يستعاد في مقام عظيم. لم يكن التوقيت عابرًا في شعور أهل المدينة، بل حمل دلالة لطيفة؛ كأن الرسالة تقول إن خدمة المسجد النبوي عهد قائم لا ينقطع، وإن إمامة المسجد النبوي اصطفاء يحاط بكامل الرعاية. ثم جاءت اللحظة التي ينتظرها الناس في صمت مهيب، السبت الموافق 4/ رمضان/ 1447هـ… حين صدح الصوت في المسجد النبوي لا تقرأ الآيات كما تقرأ في أي مكان. هناك، تصبح التلاوة امتدادًا للتاريخ، ويغدو الصوت جزءًا من ذاكرة المكان. حين بدأ الشيخ المغامسي القراءة، كان في صوته سكون عميق، وفي أدائه خشوع لا يتكلف التأثير. نبرة متزنة، ومدّ هادئ، ووقفات تعرف مواضعها. ولم يكن الأمر بحاجة إلى تعليق طويل؛ يكفي أن تلتقي النظرات بعد السلام من صلاة العشاء. ذلك الشعور القديم… ذلك الحنين الذي لا يُعرّف، لكنه يُحسّ. كثيرون استعادوا في تلك اللحظة صوت الشيخ عبد العزيز بن صالح - رحمه الله - لم يكن استدعاء الاسم مقارنة بين رجلين، فلكلّ بصمته، ولكلّ سرّه بينه وبين الله... لكن المدينة — بطبعها — تقرأ ما بين النبرات... ويعود بها الحنين إلى روح عرفتها المدينة طويلًا... فبن صالح كان صوتًا ارتبط بلياليها، بفجرها الهادئ، وبآيات كانت تُقرأ فتلامس القلوب بهدوء.. كان في صوته وقار خاص، وفي أدائه حضور يربط السامع للمعنى. وحين قرأ المغامسي، أحسّ الناس بذلك الخيط النوراني الذي يصل بين زمنين. ليس تشابهًا في الطبقات الصوتية فحسب، بل في روح التلاوة؛ في تقديم المعنى على الزخرفة، وفي استحضار الخشوع قبل الإيقاع.... فالمدينة لا تبحث عن شخص بعينه، بل عن السكينة التي عرفتها.... فإذا وجدت السكينة نفسها، ارتاحت. إمامة الحرم المدني ليست وظيفة تضاف إلى سيرة ذاتية، ولا منصبًا ينال بالكفاءة الصوتية وحدها، ولا بالعلم المجرد، وإن كان كلاهما أساسًا، فكم من قارئ حسن الصوت، وكم من عالم راسخ، ولكن الله يختار من يشاء في مقام يقرأ فيه كلامه بجوار قبر نبيه ﷺ. إمامة الحرم أمانة ثقيلة ومقام جليل. أن يقف الإمام ليقرأ كلام الله في مسجد صلى فيه النبي ﷺ، وأن يؤم المصلين في موضعٍ تتنزل فيه السكينة، فذلك تكليف قبل أن يكون تكريمًا. وحين صدر الأمر الملكي الكريم، شعر كثيرون أن الأمر يتجاوز البعد الإداري إلى معنى العطاء الإلهي. ربما بين العبد وربه خبيئة من عمل، أو دعوة في جوف الليل، أو صدق لا يعلمه إلا الله، فجاء التكريم في وقته. ولعل أعظم ما في المشهد أن القلوب لم تشعر بالغربة فلم يكن الصوت غريبًا على جدران المسجد، ولا على مآذنه، ولا على سجاد حفظ ركعات أجيال من المصلين. كأن المكان نفسه يعرف هذا المقام، وكأن الذاكرة رحبت بالصوت دون تردد. الحنين الذي أثارته التلاوة لم يكن تعلقًا بالماضي على حساب الحاضر، بل امتنانًا لكليهما. امتنانٌ لمن مضى وترك أثرًا طيبًا، ودعاء لمن حضر أن يُعينه الله على الأمانة. فالأصوات تمضي، ويبقى القرآن. والأسماء تتعاقب، وتبقى الآيات. لكن الله يكرم بعض عباده بأن يجعل أصواتهم جسورًا تعبر بها القلوب إلى الطمأنينة. هكذا التقت الزيارة الميمونة بالقرار الكريم، والتقى الحضور بالحنين، واجتمع الماضي والحاضر في لحظة واحدة. رحم الله الشيخ عبد العزيز بن صالح، وجزاه عن أهل المدينة خير الجزاء. ووفق الشيخ صالح المغامسي، وأعانه، وجعل إمامته بركة عليه وعلى المصلين. وفي نهاية الأمر، يبقى الفضل لله وحده؛ هو الذي يختار، وهو الذي يرفع، وهو الذي يضع القبول في القلوب. وحين يعود الصوت… يهدأ الحنين قليلًا مع رسالة ضمنية أن المدينة لا تغلق صفحاتها، بل تكتب سطورًا جديدة بروح واحدة.