سعيد السريحي.. قصة لا تشبه غيرها.

سعيد السريحي.. هذا الاسم كان وسيظل علامة على الإيمان بالفكرة، والعيش للكلمة، والنضال من أجل المعرفة.. أن تقرأ له فأنت تقرأ فكر إنسان متذوق، لا يكتب ليسجل حضورًا كما جرت العادة عند مثقفي اليوم، وإنما لأن فكرةً ما ظلت هاجسًا يتملكه فأرهف له سمعه وأخلص لها جهده، ولذلك يعرفه جيدًا ويصادق أفكاره كلُ عقل نشط مشغول دائمًا بتجديد الفكرة، ومقاربة الظواهر الجديرة بالاهتمام. ولأن «سعيد السريحي» عالم مكتظ بالحياة، فإنه وهو الرمز الحداثي والمناضل الجسور من أجلها، ظل عصيًا على التأطير.. وظل على إلحاحه بأن يحيا (خارج الأقواس) ليكتب بالنمط نفسه الذي يعيش به، لكن كتابته لم تكن لكي يصنع هذه السردية من أجل نفسه، ولكن ليمعن في (تقليب الحطب على النار) لتستنير العقول وتستدفئ القلوب، فكان بذلك هو من يصنع الحدث خارج الأقواس وليس فقط من يعيشه. ولأن سعيد السريحي كان مشروعًا ولم يكن مجرد مرحلة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ وجدناه تدفقًا لا ينقطع.. قلمه حاضرٌ دائمًا ليحدثك عما يشرع أبواب المعرفة في ذهنك، ويشعل أنوارها في قلبك شعرًا ورواية ومقالة. عرفنا «سعيد السريحي» من خلال حفرياته في أعماق الثقافة، منقبًا عن بناها المؤسسة والأكثر تأثيرًا.. عشنا معه هذه الساعات وهو يثير السؤال في زوايا لا نلتفت إليها لأننا نغرق في السطحية، لكن سعيدًا بذكائه ظل يعمل على إخراجنا إلى دوائر أكثر جدية في مقاربة الثقافة العربية، فجاء في عام 1996 يكشف لنا عن حجاب العادة مفتشًا كعالم آثر متمرس عن أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، وجاء في 2011 يحدثنا في غواية الاسم عن (سيرة القهوة وخطاب التحريم)، وكان أعجوبة وهو يعرض لك بضاعةً نادرة في سياق يعج بالتكرار، ثم كان عليه أن يلتفت عام 2015 إلى خطاب أكثر خطورة في تشكيل الذهنية العربية، وهو خطاب العشق وسيمياء الجنون (دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية)، مستكملًا ذلك بالتأمل الثقافي في ذاكرة المكان، فكتب عن (أيديولوجيا الصحراء: آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلقة) في العام نفسه. وكم مرةٍ ظللتُ أحدث نفسي عن فجوات معرفية في النقد العربي وتاريخ الأدب كلما وقفت متأملًا في المراحل التأسيسية الأولى للشعرية العربية وحقائق المكون السحري فيها، ولكن جاء عام 2023 وقدم معه د. سعيد السريحي من جديد حاملًا منجزًا خطيرًا يتوّج به مسيرته الفكرية، وهو كتابه (القصيدة السوداء: شعرية السحر والشعوذة)، وكأنه أراد القول: لا تتوقفوا يا أبنائي، سأسد كل فراغ، وأقتطف أجمل زهرة، وأرعى كل وثبة. هذا هو سعيد السريحي إذن.. قصة لا تشبه غيرها، وتجربة تجبرك على التوقف عندها، ومسيرة حافلة بكل جميل ولافت، بل لكم يأسرني تذكر ثباته وصلابته وصبره حين أصر على أن يخوض معركته الفكرية باقتدار، ويقف في وجه الأعاصير، فلم يمت إلا وقد كتب بنفسه (سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد)، فكانت بحق سيرة الضوء والتجديد والرصانة الفكرية. إن مصابنا جلَلٌ برحيلك اليوم يا دكتور سعيد. نم قرير العين فقد منحت الكثير، ولروحك السلام. *أستاذ الدراسات الثقافية المشارك