فيسيولوجيا الصيام المتكاملة.
مُرَكَّبات التغذية هي وقود الحياة، إذ لا يمكن للكائن الحي أن يعيش بلا وسيط غذائي قادر على إدارة أنشطة الجسم، انطلاقاً من العمليات الخلوية الروتينية، وصولًا إلى فعاليات الحركة والنمو. ولأن الإنسان أكثر الكائنات تطوراً فقد استطاع تنويع عاداته الغذائية، وتَجَاوَزَ الأنظمة الأحادية إلى خيارات مزدوجة (نباتية وحيوانية). وبنفس آلية التطور؛ قام بتوزيع نطاق تردداته الغذائية، وحاول تنظيم عمل طاحونته البيولوجية، ليمنح جهازه الهضمي فترة سكون، تُعرف باسم “الصيام”. في الواقع، كافة الكائنات الحية تصوم دون أن نشعر، وتعتمد غالباً على نمط تغذية متكرر وأطوار صيام قصيرة الأجل. لذلك تبقى تقلبات دفق الطاقة لديها في مستواها الأدنى، وتوازنها الداخلي طفيفاً. أما الإنسان فلدية فترات صيام أطول، ونقص متراكم في مستوى الطاقة، مما يعني أن عليه استخدام الاستجابات السلوكية التكيفية، وحث آلياته الفسيولوجية على تطويع الكيمياء الحيوية للحفاظ على وظائف الأنسجة، وإطالة أمد البقاء، وتحفيز توازن المخزون الداخلي من الطاقة المكتسبة. ولفهم تأثير الصيام المُطوَّل، بحث علماء وظائف الأعضاء في كيفية بقاء الحياة بالاعتماد على موارد الطاقة الداخلية. خاصة أن الصيام يُسهم في انخفاض مستوى التمثيل الغذائي، ويفرض على أجهزة الجسم استجابة محددة لإعادة التغذية. تشير الدراسات إلى أن نقطة توازن دفق الطاقة في الجسم متغيرة باستمرار، وتبعاً لتأرجحها على سلسلة متصلة بين التغذية الكاملة والجوع الشديد، يعاني الجسم من نقص الطاقة، فتأتي الاستجابة الفيسيولوجية بحلول جذرية، منها: فقد الكتلة، أو رفع كفاءة الامتصاص، أو خفض معدل الاستهلاك. الإنسان يتناول طعامه بشكل مستمر. يأكل ويهضم وفقًا لنمط يومي منتظم، وبذلك يحافظ على نطاق شبه ثابت للطاقة، ومعدلات أيض عالية التسارع. لكن عندما ينخرط في حدث ديني يتعلق بتقليل وتيرة التغذية، أو إيقافها تمامًا، فهذا يعني أنه يحفز الاستجابات الفيسيولوجية على تغيير وتيرة امتصاص العناصر الغذائية، وقصرها على المركبات التي تفرزها أنسجة الجسم فقط، وأيضاً توجيه دفق نواتج الأيض إلى مسارات الهدم والتخزين والتخليق. وكعملية احترازية، شرع الله السَّحور باعتباره الوجبة النوعية التي من شأنها منح الفسيولوجيا الداخلية تصريحاً بتحديد الفترة الزمنية التي يمكن للفرد أن يبقى فيها صائماً، في ضوء معدلات استخدام الطاقة، وكفاءة الموارد الهيكلية، وتحديات الهدم الغذائي، والضغوط غير الحيوية، وضعف وظائف المناعة، وعبء الطفيليات. ثم تأتي فترة استئناف التغذية (الفطور)، فيستنفر الجسم جهازه الهضمي من سكونه، ويستكمل دورة حياته الطبيعية. في هذا الوقت، تستعيد الأنسجة الخاملة نشاطها، ويتراكم مخزون الجليكوجين والدهون والبروتينات المستنفدة. ما بين المرحلتين يقضي الجسم دورة صيامه بكمية محدودة من الوقود المتاح لا يمكن تجديدها إلا عند استئناف التغذية، ويحاول تلقائياً موازنة مخزون الطاقة الداخلي (الدهون والجليكوجين والبروتين) والتحكم في معدل الاستهلاك، وتحديد نِسَب هدم الركائز الغذائية، ودَوَالّ الإنفاق الأيضي، وتكاليف النشاط، وأي تخصيص للعمليات الحيوية. ومع صعوبة فترة الصيام، إلا أن علماء وظائف الأعضاء يرون لها فوائد كثيرة، أقلّها: زيادة إنتاج وهدم الأجسام الكيتونية التي تعمل كركائز أيضية بديلة للجلوكوز داخل الجهاز العصبي المركزي، والقلب، والعضلات والكليتين. كما أن الاعتماد العالي على “الكيتونات” يقلل من كمية الأحماض الأمينية الناتجة عن تحلل البروتين الموجه نحو عمليات استحداث الجلوكوز، مما يحافظ على بنية البروتين. كذلك يقوم الصيام بتحفيز الاستفادة من ميكروبات الأمعاء لإعادة تدوير اليوريا، والإسهام في الحفاظ على النيتروجين خلال فترة الامتاع عن الطعام. إضافة إلى تبني آليات محددة للحفاظ على سلامة العضلات الهيكلية، وتعزيز قدرة الجسم على خفض مستويات الطاقة مع الحفاظ على توازن الأنسجة، مما يُفيد في مواجهة الصدمات النفسية، ويرفع مستوى المرونة الأيضية.