طريق الحرير القديم الجديد.
يٌطلق اسم “طريق الحرير” على مجموعة الطُّرق المترابطة، التي كانت تسلكها القوافل التجارية بين “الصين” و”أوروبا”، بطول عشرة آلاف كم، وتعود بدايات استخدام هذا الطريق لحُكم سلالة “هان” في “الصين” منذ نحو 200 سنة قبل الميلاد. ولم يكن الحرير المادّة الوحيدة التي سلكتْ طريق الحرير القديم، فقد عبرته أيضاً موادّ أُخرى قد لا تقلّ عن الحرير أهميّة: كالذهب والفضة والزجاج والصوف، بالإضافة إلى دوره في تحقيق الاحتكاك الحضاري والتفاعل الثقافي بين الأقوام والشعوب والحضارات المختلفة. وشكّلتْ التجارة البحرية فرعاً آخر لطريق الحرير اكتسب أهميّة بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية، وبما أن الطُّرق البحرية اشتهرتْ خاصةً بنقل التوابل، فقد عُرفتْ باسم “طريق التوابل”، وقد زوَّدتْ هذه الطُّرق البحرية أسواق العالم بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب، القادمة كلّها من “جُزر المُلوك” في “إندونيسيا” والمعروفة أيضاً باسم “جُزر التوابل”. كما أن هناك طائفة متنوّعة من السّلع الأُخرى، كالمنسوجات والمشغولات الخشبية والأحجار الكريمة والبخور والزعفران واللُّبان.. منتوجاتٍ كان يبيعها التُّجار المُسافرون على هذه الطُّرق البحرية، المُمتدّة على أكثر من 15 ألف كم، ابتداءً من الساحل الغربي لليابان مروراً بالساحل الصيني فالهند، وصولاً إلى سواحل الجزيرة العربية، ومنها عبر الطُّرق البرية إلى شرق المتوسّط ثم أوروبا. ولذلك، فإن تسمية هذا الطريق بطريق “الحرير” في الحقيقة تسمية جديدة لا يزيد عُمرها عن القرن ونصف القرن، حين استخدمها العالم الجغرافي الألماني “فون ريشتهوفن” في كتابه الذي يصف فيه رحلته الاستكشافية إلى الصين عام 1877 م، ولم تلبث هذه التسمية أن انتشرت بفضل وقعها الحسِن على المسامع والنفوس، وملمسها الناعم على الإحساس، وقيمتها الكبيرة لما كان لتجارة الحرير الصيني من أثرٍ كبير في تطوّر وازدهار العديد من البُلدان. لقد كاد الاهتمام بطريق الحرير يتلاشى، وأصبح حتى عهدٍ قريب مُقتصراً على الباحثين والمُهتمّين بتاريخ وجغرافيا العالم القديم، أما العامّة فكان جُلّ اهتمامهم محصوراً بمعرفة الحكايات والقصص والأساطير التي تدور حوله. ولكن العودة مُجدّداً إلى طريق الحرير ردّتْ إليه بعضاً من اعتباره، وقد بدأ ذلك في الثمانينيات من القرن الماضي، حين عُرضتْ سلسلة من الأفلام الوثائقية التلفزيونية الشيّقة، والتي قام بتصويرها فريقٌ علميّ ياباني، مُتنقّلاً بين الصين وآسيا الوسطى وبُلدان الشرق الأوسط. وفي التسعينيات ازداد الاهتمام بالطريق بوتيرةٍ مُتسارعة، في معاهد البحث العلمي والجامعات وأكاديميات العلوم، وتُوّجَ هذا الاهتمام أثناء التحضير لبعثة “طريق الحرير - طريق الحوار” التي نظّمتها “اليونسكو”. لقد كان طريق الحرير شاهداً على خُطى مبعوث ثالث الخُلفاء الراشدين “عثمان بن عفّان” رضي الله عنه سنة 651 م إلى مملكة “تانغ” الصينية، أثناء حُكم إمبراطورها الثالث “لي تشي”، وقد سمح الملك الصيني للمسلمين بالإقامة في الصين ومُمارسة التجارة. ولكن خلال منتصف القرن الثامن الميلادي، كانت طريق الحرير على موعدٍ مع حدَثٍ غيّر وجه التاريخ.. ففي ظِلّ القلاقل التي صاحبت نهاية حُكم الأمويين، استغلّ الصينيون الفُرصة وتوغّلوا غرباً، وتمكّنوا من إخضاع بعض المناطق المُهمّة الخاضعة لنفوذ الخِلافة الإسلامية! لكن ذلك لم يمنع الخلافة من خوض المعركة، وذلك بعد استتباب السُّلطة للعباسيين، حيث التقى الجيشان بالقُرب من نهر “طلاس” الواقع في “قرغيزستان” حالياً، والذي تسمّتْ المعركة باسمه في سنة 751م. وعلى الرغم من أن هذه الحرب كانت نهاية الفتوحات الإسلامية في الشرق، إلا أن النصر فيها كان حليفاً للعرب المسلمين، حيث انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للجيش الصيني الذي تكبّد حوالي ثلاثين ألفاً بين قتيل وأسير، حسب المصادر الصينية. لقد كان من أهمّ نتائج هذه الحرب، أنه عن طريق الأسرى الصينيين، جرى نقل أهمّ الاختراعات الصينية القديمة الأربعة؛ وهي: الورق والطباعة والبوصلة والبارود، إلى العالم العربي.. وخاصّةً الورق، حيث تمّ تأسيس أول مصنع للورق في “بغداد” سنة 794 م، ومنها نُقلتْ أسرارها إلى “الأندلس” ومنها إلى “أوروبا”. وختاماً، فإن هنالك حقيقة مُهمّة كادت أن تضيع في زخم الكتابات المنشورة عن هذا الطريق؛ فقد كان طريق الحرير واسطةً لنقل ثمرات الحضارة العربية الإسلامية إلى الغرب، عبر “الشام”، كما ذكر الكاتب الألماني “هيرمان” في كتابه: “طريق الحرير القديم بين الصين وسوريا”. وكما أشار الكاتب “أوليغ” في كتابه: “بطريق الحرير” الصادر في عام 1990، قائلاً: “كانت “تدمر” نقطة التقاء هامّة، وظلّت مُحافظةً على غِناها وازدهارها التجاري مئات السنين، وكانت أغنى وأجمل المُدن المعروفة على طريق الحرير الغربي”.