يوم الـتأسيس .. ملحمة بين المجد والتاريخ.

عندما يقف الزمن شاهدًا على المجد، وتعبر الأجيال جسور القرون، وتتوالى المشاهد والأحداث عامًا بعد عام، لا قرنًا ولا قرنين، بل ثلاثة قرونٍ كاملة، يبقى الوطن ثابتًا لا يتزحزح، راسخًا في ذاكرة الزمان، مقيمًا في وجدان التاريخ، حيًّا في قصص الأبطال، وعنوانًا للعزة التي لا تشيخ ولا تبهت مهما تعاقبت السنين. فالوطن ليس جغرافيا تُرسم على خرائط، ولا حدودًا تُحدَّد بأقلام السياسة، ولا جبالًا وهضابًا تُحصى، بل هو هويةُ إنسان، وعمقُ انتماء، ونبضُ حياة. هو المعنى الذي يتنفس فيه أبناؤه الكرامة، ويقتاتون الحب، ويرتوون بعشق ترابه قبل قممه، ويكبر فيهم كما يكبرون فيه. وكيف لا يكون كذلك، وهو وطنٌ لم يكن يومًا أرضًا لمستعمر، ولم يرضخ لإرادة غيره، ولم يُستدعَ إلى موائد التقسيم، بل صاغ تاريخه بيده، وحمى كيانه بسواعد رجاله، وبنى دولته على أسسٍ راسخة من العقيدة والوحدة والعدل والحكمة، فكان استثناؤه قدرًا، وثباته سِمة، واستمراره نهج دولة لا عابرة تاريخ. لقد تعاقب على قيادة هذا الوطن ملوكٌ رحمهم الله، حملوا الأمانة جيلًا بعد جيل، فثبّتوا دعائم الدولة، وحموا وحدتها، وصانوا أمنها، ومدّوا جسور التنمية، كلٌّ في زمنه وبما اقتضته مرحلته. ملوكٌ أدركوا أن الدولة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بالحكمة، ولا تستمر بالسلطان فحسب، بل بالعدل، فكانت قراراتهم محكومة ببصيرة التاريخ ومسؤولية المستقبل. وفي عهدنا الحاضر، يعيش الوطن مرحلةً متقدمة من البناء والتجديد، في ظل قيادةٍ رشيدة جعلت الإنسان محور التنمية، ورسمت للمستقبل رؤية طموحة، لا تقطع مع الجذور بل تنطلق منها. قيادةٌ تعمل بثقة، وتواجه التحديات بحزم، وتدير التحولات بوعي، فحفظت الاستقرار، وعزّزت المكانة، ورفعت سقف الطموح، حتى أصبح الوطن حاضرًا بقوة في معادلات الإقليم، ومؤثرًا في توازنات العالم. يوم التأسيس ليس ذكرى تُستحضر للحنين وحده، بل شهادة للتاريخ أن الدول العظيمة لا تولد صدفة، وأن الذاكرة قد تشيخ لكنها لا تموت، وأن ما نعيشه اليوم هو امتداد لمسيرة بدأت قبل ثلاثة قرون ولم تتوقف. هو يوم نقرأ فيه البدايات لنفهم الحاضر، ونستوعب الحاضر لنصنع المستقبل. هو يوم وطنٍ ساد فارتفع، وارتفع فارتقى، حتى أصبح نموذجًا في الثبات، ومنارةً في الاستقرار، وصوتًا للعقل والحكمة في عالمٍ مضطرب. وفي يوم التأسيس، نجدد العهد لوطنٍ باقٍ، تقوده رؤية، وتحميه إرادة، ويصونه شعبٌ يعرف قدر وطنه، ويحفظ مجده، ويمضي به نحو المستقبل بثقة واقتدار يليق بتاريخٍ عظيم ووطنٍ لا يشبه سواه.