أشار فضيلة الشيخ الدكتور عبدالسلام الشويعر أن فكرة المحاضرة تعود إلى مقترح سابق قبل سنوات تقدم به الأستاذ الدكتور محمد الهدلق -رحمه الله- في مداخلة عقب محاضرة قدمها الشيخ في دارة العرب بعنوان “اللغة العربية وآدابها في الفقه”، وذكر أن الدراسات في التراكيب اللغوية في كتب الفقهاء قليلة جدًا وتكاد تكون معدومة وليست سوى إشارات لجزئيات معينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن المتكلمين عنها لم يقصدوها بل جاء ذلك في عرض مسائل مجموعة في موضوع آخر، وذكر مجموعة من أساليب التراكيب وأغراض الفقهاء في استعمالها. جاء ذلك في محاضرة قدمها بعنوان “التراكيب اللغوية في الكتب الفقهية” وأدارها د. فريح الشمري، مساء السبت 4 رمضان 1447هـ عقب صلاة التراويح. وقال فضيلة الشيخ عبدالسلام الشويعر: عند حديثنا عن التراكيب لابد أن نفرق بين التراكيب والألفاظ، فالكلام عمومًا إما أن يكون رسومًا وإما أن يكون دلائل، وأن حديثه عن الرسوم دون الدلائل والمعاني، وقال: إن الرسوم ما يُسمع من ألفاظ ويُنطق باللسان ويُرسم بالكتابة، وهذه الرسوم إما أن تكون ألفاظًا أو تراكيب، ثم قدم نبذة عن لغة الفقهاء. وأردف: إن التراكيب اللغوية هي طريقة تركيب الجمل التي يسوقها المتكلم، إذ الجملة مكونة من العامل والمعمول أو نحو ذلك مما تتكون منه الجملة بناء على إثبات العامل أو نفيه على طريقة الظاهرية في النحو كالقرطبي وغيره. وأورد الشيخ الشويعر عددًا من الأساليب التي استعملها الفقهاء، وأغلب أمثلته كانت من كتاب “الإقناع” للشيخ موسى الحجاوي، وركز على كتاب الصيام، موضحًا أن التراكيب لا ينبني عليها أي حكم فقهي أو دلالة لفظية مطلقة، فلا يختلف المدلول إذا غير التركيب. وساق الشويعر مجموعة من التراكيب بناء على ما لاحظه من قراءاته في كتب الفقه في الجملة وأول التراكيب التي أوردها “العطف على الشرط”؛ قال: إن الفقهاء يعطفون على الشرط أشياء كثيرة قبل إيراد جواب الشرط، وقد يصل المعطوف عليه إلى صفحات أحيانًا، مستشهدًا ببعض الأمثلة على ذلك. وقد لاحظ في كتب الفقهاء في القرن السابع وما بعده طول الفصل بين الشرط وجوابه بجمل اعتراضية، وهو ما يسمى بالإقحام، وسماه الفراهيدي بالحشو والزيادة، وذكر أنه معيب عند أهل اللغة والبعض لا يقبله إلا في الشعر. وقال: إن حل مثل هذه الإشكالات هو في طريقتين؛ إما التقليدية عبر شراح المتون، إذ يأتون بجواب الشرط ويكررونه، أو طريقة المعاصرين وذلك باستعمال علامات الترقيم، وقال إنه لاحظ مسلكين عند المعاصرين فأحدهم يجعل عند جملة جواب الشرط علامة يساوي، مثل محمود شاكر، وبعضهم يجعل فاصلة منقوطة عند جواب الشرط، وهذه الوسيلة تسهل على القارئ معرفة المعلومة. ثم ذكر أن “تعدد المعطوفات” من أساليب التراكيب في الكتب الفقهية؛ حيث يُفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بذكر أحكام منفصلة، وسرد عددًا من الأمثلة على ذلك. ومن التراكيب التي أوردها “كثرة الضمائر”، فقال إن بعض الضمائر تكون متواليًا وهذه المتواليات يعود كل واحد منها بمضمر مختلف وهذا يزيد صعوبة الكتاب ومشقته وهذه سمة يكاد لا يخلو منها خاصة المختصرات، وقال إن من أهم أغراض الشراح هو إظهار المضمر. ومن تراكيبهم أيضًا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالعطف على المضاف، وهذا التركيب منعه بعض اللغويين وعابوه أشد العيب ولم يجوزوه إلا في الضرورة الشعرية. ومن مظاهر التراكيب اللغوية السائدة في كتب الفقهاء استعمال لفظ الماضي لخفته، وحبهم للجملة الفعلية وتقديمها. والأسلوب الأخير الوردة لديهم هو أنهم عندما يذكرون التخيير يأتون بـ”أو” إذ يرى البعض أنها لا تقع إلا بين متعدد. واختتم حديثه بذكر أسباب إيراد الفقهاء لهذه التراكيب وذكر منها: الأول: أن يكون هذا التركيب وجهًا معتبرًا في اللغة العربية، ويسير عليه أهل بلد ذلك الفقيه. والثاني: قد يكون ضعفًا من الفقهاء وخصوصا عندما ضعفت لغة الفقهاء وقل اهتمامهم بها، فبعض الكتب تكون في غاية الركاكة خاصة بعد القرن الرابع الهجري. والسبب الثالث أن يكون لبعض الفقهاء غرض خاص أو أن يكون لهذا الفن لغته الخاصة به. والرابع والأخير “الاختصار” الذي يجعلهم يدمجون بين الجمل ويكثرون من الضمائر. ثم فُتح المجال للمداخلات التي أثرت الموضوع والأسئلة التي تفضل بالرد عليها.