بحلول رمضان .. رسالة إلى خطباء المنابر .

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتجه الأنظار إلى منابر المساجد، وإلى الكلمة التي ينتظرها الناس كل عام. غير أن الحاجة اليوم ليست إلى تكرار ما يعرفه الجميع عن فضل الشهر وفضيلة الصيام، وأركان الإسلام المعروفة للقاصي والداني ؛بل إلى خطاب يلامس واقع المجتمع ويعالج ما تراكم فيه من أخطاء اجتماعية. إن الناس بحاجة إلى من يذكّرهم بأن العبادة ليست طقوساً تؤدى، بل سلوكاً ينعكس في التعاملات والحقوق والأمانات. فالصيام لا يكتمل لمن يفطر على مال مسروق، ولا تُقبل زكاة من يكتنز الحرام، ولا تنفع صدقة من يظلم الناس ويأكل حقوقهم. يجب على الخطباء أن يذكّرونا بأن من يحمل في ذمته مظلمة فليُعد الحق إلى أهله قبل أن يرفع يديه بالدعاء، وأن من يمنع أخواته من الميراث أو يتحايل على شرع الله في تقسيم الحقوق، فقد تجاوز حدود الله، ولا ينفعه صيام ولا صلاة ولا حج ما دام الظلم قائماً. وعليهم أن يحدّثونا عن خطورة أكل المال العام، وعن حرمة اغتصاب الأراضي والممتلكات، وعن أن العبادة لا تُقبل مع الظلم، وأن الله يغفر ما كان بين العبد وربه، أما حقوق العباد فلا خلاص منها إلا بردّها أو استحلال أهلها. ذكّرونا بصلة الأرحام، وبرّ الوالدين، وحقوق الجار، وحقوق العامل والخادم، وبأن الدين معاملة قبل أن يكون شعائر. وأن الكلمة الطيبة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، والرفق بالحيوان صدقة، وأن إدخال السرور على قلب إنسان عمل لا يقل أجراً عن كثير من النوافل. نبّهونا إلى مسؤولياتنا تجاه أبنائنا، وإلى ضرورة مراقبة سلوكهم وتربيتهم على القيم، فصلاح المجتمع يبدأ من البيت. وذكّرونا بحرمة الاحتكار، والغش، وتطفيف الميزان، وكل ما يفسد حياة الناس ويزرع بينهم الأحقاد. إن المنبر اليوم بحاجة إلى خطاب ينهض بالمجتمع، ويعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر بأن الغاية من الصيام ليست الجوع والعطش، بل تهذيب النفوس وإصلاح القلوب وردّ الحقوق، حتى يعيش الناس حياة كريمة يسودها العدل والرحمة.