الأدب التفاعلي في زمن المنصات الرقمية..

هل أصبح القارئ شريكاً في كتابة الأدب.

لم يعد النص الأدبي، في زمن المنصات الرقمية، كيانًا مغلقًا يفرض على القارئ مساره ونهايته، بل تحوّل في بعض تجاربه الحديثة إلى مساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، يتداخل فيها صوت الكاتب مع اختيارات القارئ، فتتشكل الحكاية على نحو متغيّر مع كل قراءة. من هنا يأتي هذا التحقيق للاقتراب من ظاهرة الأدب التفاعلي، بوصفها تحولًا يمس جوهر السرد وحدود الإبداع، لا شكله التقني فحسب؛ فحين يشارك القارئ في صناعة الحدث وتوجيه المصير، أين تقف سلطة الكاتب؟، وهل تبقى الرواية رواية والقصة قصة حين تتعدد نهاياتها؟، ثم هل نحن إزاء توسّع في أفق الكتابة أم إعادة تعريف جذرية لمعنى الأدب نفسه، وخصوصًا في المشهد الأدبي السعودي؟ هندسة النص المفتوح الروائي والكاتب «عبدالله التعزي» يرى أن الإشكالية السردية التي يطرحها الأدب التفاعلي تحتاج إلى عمق وتفكيك في محاولة للفهم الشخصي الذي ربما يختلف من شخص إلى آخر حسب أشياء كثيرة منها الخلفية الثقافية والاجتماعية والنفسية. ويؤكد أن القول بأن «النص لم يعد مسارًا مغلقًا بل فضاءً مفتوحًا لا يصف تحولًا تقنيًا فقط، بل تبدلًا في معنى الحكاية نفسها». ويشبّه التعزي الحكاية الورقية التقليدية بـ «بيت يكتمل بناؤه قبل أن يصل إليه الضيف، حيث تكون النهاية موضوعة كخاتم في إصبع السرد، بينما يتحول النص في الأدب التفاعلي إلى بيت قيد التشكل، أبوابه ليست كلها مغلقة، والقارئ لا يكتفي بالمشاهدة بل يمد يده، يفتح، يختار، وربما يعيد ترتيب الأثاث، وهو ما يطرح السؤال الحساس: هل هذه اليد شريكة في البناء أم أنها تزاحم يد الكاتب على الكلمات والسرد؟». وفي السياق السعودي، يشير إلى أن هذه الفكرة أقرب مما نتصور، ليس عبر رواية تفرعية مكتملة بالضرورة، بل من خلال محيط كامل يهيئ لهذه الرواية التفرعية، مستشهدًا بمشاركة هيئة الأدب والنشر والترجمة بجناح تفاعلي في معرض جدة للكتاب 2025، بوصفها دلالة على أن التفاعل صار جزءًا من طريقة عرض الأدب وصناعته لا مجرد زينة تقنية. وعن موقع القارئ، يوضح التعزي أن «القارئ ليس منافسًا للمبدع إذا فهمنا الإبداع بوصفه تصميمًا لا سردًا فقط، فالكاتب لا يكتب حكاية واحدة، بل يكتب نظام احتمالات، فيما يصبح القارئ شريكًا في الفعل التكويني لا في الفعل الأصلي». ويخلص إلى أن النهاية في الأدب التفاعلي قد تتحول من إغلاق باب إلى قرار خروج، حيث لا تتوقف الحكاية لأن الكاتب قرر ذلك، بل لأن القارئ استنفد احتمالاته أو وصل إلى لحظة يرى فيها أن الاستمرار سيكرر المعنى. تحولات دور القارئ يرى الكاتب والروائي «أحمد السماري» أن الأدب لم يعد اليوم مسارًا أحاديّ الاتجاه يبدأ من الكاتب وينتهي عند القارئ، بل أصبح ـ في ظل الرقمنة ـ فضاءً تفاعليًا مفتوحًا أسهمت وسائل التواصل والمنصات الرقمية وورش الكتابة المشتركة في تشكيله وإعادة تعريف العلاقة بين المبدع والمتلقي. ويشير إلى أن هذه الوسائط قربت المسافات وكَسرت الحواجز النفسية بين الطرفين، وأتاحت أشكالًا متعددة من المشاركة، تمتد من التعليقات المؤثرة إلى النقاشات المفتوحة، وصولًا إلى الكتابة التشاركية. ويؤكد السماري أن القارئ في هذا السياق لا يبدو منافسًا للمبدع، بل شريكًا محتملًا في توسيع أفق النص، شريطة أن تبقى الرؤية الجمالية والقيادة السردية بيد الكاتب. فالأدب التفاعلي ـ في نظره ـ لا يلغي المؤلف، لكنه يخفف من مركزيته الصارمة، ويحوّل النص إلى كائن حي قابل للتأويل والتعدد دون الوقوع في الفوضى أو التفكك. كما يلفت السماري إلى أن هذا النمط الجديد يضع مفاهيم الحبكة والنهاية أمام اختبار حقيقي؛ فالنهاية لم تعد واحدة مغلقة، بل احتمالًا مفتوحًا يمكن للقارئ من خلاله استكمال الحكاية، بينما يتحول المسار السردي من خط مستقيم إلى شبكة من الاختيارات، الأمر الذي يفرض على الكاتب مهارات جديدة في التخطيط وهندسة المسارات. ويختتم السماري بالإشارة إلى المشهد الإبداعي السعودي، متوقعًا حضورًا أوضح للأدب التفاعلي خلال السنوات القادمة، خصوصًا في الإنتاج الأدبي المشترك داخل المجموعات والملتقيات الثقافية، حيث تتلاقى الأصوات والتجارب ويتحول الأدب إلى فعل جماعي يعكس روح العصر دون أن يفقد عمقه ومسؤوليته الفنية. تحول القراءة المشتركة ترى الروائية «فاطمة عبدالله الدوسري» أن الأدب التفاعلي يشكّل تحولًا نوعيًا في مفهوم النص الأدبي، فـ»لم يعد العمل مسارًا أحاديًا مغلقًا، بل أصبح فضاءً مفتوحًا تتقاطع فيه إرادة الكاتب مع خيال القارئ». وتشير إلى أن هذا التحول أتاح ظهور نماذج سردية رقمية تسمح للقارئ بتوجيه الأحداث واختيار النهايات الممكنة عبر منصات إلكترونية وورش تفاعلية. وحول موقع القارئ من العملية الإبداعية، تؤكد الدوسري أنه ليس منافسًا للمبدع، وإنما «شريك في التجربة الإبداعية»، موضحة أن دور المؤلف لا يُلغى بل يُعاد تعريفه بوصفه مصممًا للاحتمالات وبانيًا للعوالم والشخصيات، بينما يتحرك القارئ داخل هذا الإطار كاشفًا إمكانات النص لا هادمًا لجوهره. كما تلفت إلى أن الأدب التفاعلي يعيد النظر في مفاهيم الحبكة والنهاية؛ فـ»الحبكة لم تعد خطًا مستقيمًا يتجه نحو خاتمة واحدة، بل شبكة من المسارات المتعددة، والنهاية لم تعد يقينًا سرديًا بل احتمالًا مفتوحًا»، الأمر الذي يفرض على الكاتب مهارات جديدة في التخطيط والبناء. وفي السياق السعودي، تشير الدوسري إلى أن الأدب التفاعلي يفتح أفقًا واعدًا لمستقبل الكتابة؛ إذ ينسجم مع جيل قارئ أكثر مشاركة وفضولًا، ويتيح تطوير الأشكال التعبيرية دون فقدان الهوية السردية. وتختم بالإشارة إلى ظهور مجموعات من الكتّاب تتناول موضوعًا سرديًا واحدًا، بوصفها «ربما بداية جادة للعمل التشاركي المنفتح على آفاق جديدة من أساليب الكتابة التفاعلية». سرد متعدد المسارات الكاتب والروائي المتخصص في الخيال العلمي «خالد الحقيل»، يرى أن النص الأدبي لم يعد، في عصر الرقمنة، كيانًا مغلقًا يفرض مساره على القارئ، بل تحوّل إلى فضاء مفتوح تتعدد فيه الأصوات وتتقاطع فيه الرؤى وتتلاقح فيه الأفكار، مشيرًا إلى أن الأدب التفاعلي يُعد أحد أبرز علامات هذا التحول، حيث لم يعد القارئ متلقيًا سلبيًا، بل عنصرًا فاعلًا نشطًا يشارك في إعادة تشكيل الأحداث وتوجيه تيار السرد. ويضيف أن هذا التحقيق إيجابي جدًا ويطرح بالفعل أسئلة محورية حول موقع القارئ في العملية الإبداعية: هل أصبح شريكًا حقيقيًا في إنتاج النص، أم أنه ينافس المبدع على قدرته السردية؟ موضحًا أن الأدب التفاعلي يشهد تراجعًا في مركزية المؤلف لصالح مفهوم «النص المفتوح ليس حكرًا على أحد»، حيث تتعدد القراءات وتتغير الحبكة المستقبلية وفق خيارات القارئ، وهو ما ينعكس مباشرة على بنية الرواية التقليدية التي كانت تقوم على تسلسل واضح ونهاية يحددها الكاتب، ليحل محلها سرد متشعب ونهايات متعددة، وربما مفتوحة. ويشير الحقيل إلى أن هذا النمط تحقق فعليًا في بعض المسلسلات، خاصة الأجنبية ذات الأجزاء المتعددة، حيث يتشارك أكثر من كاتب في مسار الرواية، ويتم أخذ انطباعات القراء والمشاهدين عبر الأجزاء السابقة ليكونوا جزءًا من النص الجديد. ويؤكد في ختام مداخلته أن هذا التحول لا يعني بالضرورة إلغاء القيمة الجمالية أو الفنية، بل يستدعي إعادة تعريفها، معتبرًا أن الإبداع في الأدب التفاعلي يكمن في تصميم الاحتمالات وبناء عالم سردي قادر على استيعاب التعدد دون أن يفقد تماسكه، وفي سياق الأدب السعودي، يرى أن هذا النوع من الأدب يمكن أن يشكّل أفقًا واعدًا لمستقبل الكتابة، خاصة في ظل التحولات الرقمية واتساع قاعدة القراء الشباب. سلطة النص الجديدة يرى الأديب ناصر بن محمد العمري أن الأدب التفاعلي «لحظة فارقة وتحول جذري في مفهوم سلطة النص والمؤلف الواحد، وأنه يبشر بالانتقال من المؤلف الفرد إلى فكرة التأليف الجماعي والخروج من عصر الأدب العمودي إلى عصر الأدب الأفقي التفاعلي، وهنا ينتصب السؤال: ما موقع القارئ وما التمثلات والأدوار التي سيلعبها؟، يؤكد العمري أن «للأدب التفاعلي جمالياته المتعددة القادرة على أن تخرج القارئ من مقعد المتفرج ليصبح مؤلفًا مشاركًا، خاصة في ظل ضعف الاستعداد الذهني الرقمي وفجوة جيلية وصِدام التخلي عن المؤلف الأوحد». ويشير إلى أن التحول من الاتكالية إلى المسؤولية السردية قد يربك القارئ الكلاسيكي المرتبط بالمؤلف بوصفه الراوي العليم، ومع ذلك، لا يرى العمري القارئ منافسًا، لأن المحرك الأول والخالق للعالم الافتراضي والخيارات المتاحة يظل هو الأديب، ويذهب إلى أن الأدب التفاعلي سينسف مفهوم الحبكة الخطية، ليولد الحبكة التشعبية التي تشبه الشجرة أو الشبكة، وتتعدد فيها الذروات والمسارات. كما أن هذا المسار سيعجل بموت النهاية الواحدة، إذ لا تبقى هناك نهاية مقدسة، بل نص قابل لإعادة القراءة واقتراح مصائر بديلة. ويرى العمري أن السعودية تعيش انفجارًا إبداعيًا يجعل الأدب التفاعلي فرصة ذهبية، خاصة أن المجتمع السعودي شاب ومتصل تقنيًا، وأن الموروث المحلي يسمح بتحويل الحكايات إلى تجارب تمكّن القارئ من عيش التاريخ لا مجرد قراءته. ويخلص إلى أن الأدب التفاعلي لن يلغي الأدب التقليدي، بل يضيف إليه بُعدًا رابعًا، وأن التحدي الحقيقي يكمن في فهم هندسة الخيارات وبناء عالم يتسع لآلاف الاحتمالات دون أن يفقد هويته الأدبية، بينما قد تكون السعودية المختبر العربي الأول لنجاح هذا النمط.