في مذكرات الرحالة البريطاني ريتشارد بورتون ..

توثيق تاريخي لشهر رمضان بالمدينة المنورة قبل 173 عاماً.

تحمل الذاكرة القريبة للمدينة المنورة في ثناياها تفاصيل اجتماعية ثرية، صاغتها الأجيال المتعاقبة ورصدتها عيون الرحالة الذين زاروا طيبة الطيبة. ومن بين هؤلاء، يبرز الرحالة البريطاني ريتشارد فرانسيس بورتون الذي زار المدينة المنورة قبل نحو 173 عامًا (1853م)، مسجلاً في مذكراته الشهيرة «سرد شخصي لرحلة حاج إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة» أدق تفاصيل الحياة اليومية، لا سيما في شهر رمضان المبارك. رحلة استكشاف متخفية لم تكن رحلة ريتشارد بورتون إلى الحجاز مجرد جولةٍ سياحية أو استكشافية عابرة، بل كانت مغامرةً محفوفةً بالمخاطر، استلزمت منه ذكاءً حادًا وقدرةً فائقةً على التقمص. ففي ظل الحظر التام لغير المسلمين من دخول المدينتين المقدستين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، اندفع بورتون إلى دراسة الإسلام واللغة العربية بعمقٍ لسنوات، حتى أتقن تفاصيل العبادات واللهجات المحلية، حيث بدأ رحلته من بريطانيا إلى الإسكندرية منتحلاً شخصية هندي (ميرزا عبدالله)، وعندما وصل إلى القاهرة ومنها إلى السويس بدأ يختلط أكثر بالناس، واستقر على شخصية طبيب أفغاني يُدعى «الشيخ عبدالله» وأنه قد نشأ في الهند، قبل أن يسافر إلى الجزيرة العربية عبر ميناء ينبع، حيث كانت ينبع آنذاك البوابة البحرية الرئيسة للقادمين من مصر نحو المدينة المنورة. عندما وصل ينبع كان يرتدي الزي الشرقي، متحليًا بسمات أهل العلم والزهد، ثم سلك طريق القوافل الوعر بين ينبع والمدينة، مسجلًا في مفكرته السرية كل تفصيلةٍ تمر به، من ملامح الجغرافيا إلى طبائع البدو الذين رافقهم في رحلته. وعندما لاحت له مآذن المسجد النبوي من بعيد، سطر بورتون مشاعره بعباراتٍ تنضح بالهيبة؛ فرغم كونه رحالةً يبحث عن المعلومة، إلا أنه لم يملك إلا أن يتأثر بروحانية المكان الذي هز وجدانه. دخل بورتون المدينة المنورة قبل دخول شهر رمضان بأيامٍ قليلة ليمكث فيها أكثر من شهر، مترددًا على روضتها الشريفة، ومتجولًا في أزقتها، ومختلطاً بأهلها في مجالسهم ومساجدهم، دون أن يشك أحدٌ في هويته الحقيقية. هذه الفترة مكنته من رصد تفاصيل دقيقة لم يسبقه إليها رحالةٌ غربي، وجعلت من كتابه «رحلة بورتون إلى الحجاز ومكة» مرجعًا عالميًا، ومصدرًا استقرت عليه الدراسات السعودية اللاحقة في توثيق ملامح الحياة المدنية في منتصف القرن التاسع عشر. يوميات الصائمين في مذكرات بورتون، لا نجد مجرد وصفٍ لفرائض دينية، بل نجد رصدًا أنثروبولوجيًا دقيقًا للحالة الروحانية والاجتماعية التي تصبغ المدينة بلونٍ مغاير فور ثبوت الرؤية. يصف بورتون الاستعدادات المبكرة لأهل المدينة، وكيف كانت المنازل تتهيأ بالتوسع في المآكل والملابس، وكأن المدينة بأسرها تتجدد لاستقبال ضيفٍ عزيز. ينقل بورتون صورةً حيةً للهدوء الذي يلف المدينة نهارًا، حيث تغلق معظم الحوانيت أبوابها، ويميل الناس إلى العبادة والقراءة في المسجد النبوي. ويذكر في مذكراته واصفًا هذا السكون: «في نهار رمضان، تبدو المدينة كأنها في حالة خشوعٍ عميق؛ الشوارع شبه خالية، والهدوء لا يقطعه إلا تمتمات المصلين في الروضة الشريفة، لكن هذا الصمت ليس خمولاً، بل هو استجماعٌ للقوى لليلةٍ حافلةٍ بالعبادة والحياة». عند اقتراب الغروب، تتبدل الأحوال؛ يصف بورتون بدقةٍ متناهية مشهد «السفر» الممتدة في رحاب المسجد النبوي، حيث يتشارك الجميع التمر والخبز والماء المبرد في الدوارق الفخارية، وقد اندهش بورتون من ذلك الانضباط الأخلاقي الممزوج بكرمٍ فطري، ومما استوقفه ونقله بدقة، هو حرص أهالي المدينة على «اقتناص» الغرباء والزوار لمشاركتهم الإفطار، في تنافسٍ محموم على نيل أجر الضيافة، وهو سلوكٌ اجتماعي رصين لم يتغير جوهره رغم مرور العقود وتبدل ملامح العمران في «طيبة الطيبة»، وقد وصف بورتون مشهد الإفطار حيث قال: «ما أدهشني حقاً هو الطريقة التي يتبعها المدنيون في تناول الطعام؛ حيث يسود صمتٌ مهيب ينم عن احترامٍ عميق للنعمة، بينما يحرص صاحب البيت على خدمة ضيوفه بنفسه، متبعًا تقليدًا قديمًا يرى في خدمة الضيف شرفًا لا يعلوه شرف». وعن كرم البيوت المدينية وجيرة الغريب يقول في مذكراته: «لم يكن الكرم في المدينة المنورة مقتصرًا على المساجد، بل كان يسكن البيوت والأزقة. لقد دعاني جيراني في الحي الذي نزلتُ به لمشاركتهم السحور في إحدى الليالي، فذهلتُ من حجم الحفاوة التي استُقبلتُ بها رغم أنني كنتُ بالنسبة لهم مجرد عابر سبيل. وُضعت السفرة على الأرض، وكانت عامرةً بأطباقٍ من اللحم المطهو بالمرق، وخبز التميس الساخن، وصحافٍ صغيرةٍ من العسل واللبن. كان صاحب البيت يصر على وضع أطيب القطع أمامي، مخاطبًا إياي بعبارات الترحيب التي تجعلك تنسى غربتك تمامًا». يقول بورتون عن طعام أهل المدينة: «لقد أثار انتباهي تنوع البهارات التي تُستخدم في تطييب الطعام خلال رمضان، كما يحرص أهل المدينة على إضافة المستكة والهال إلى ماء الشرب والقهوة، مما يمنحها نكهةً مميزةً لا تجدها في مكانٍ آخر. وفي وجبة السحور، يميل الناس إلى تناول أطعمة معدّة بعنايةٍ فائقة لتكون خفيفةً على المعدة»، وقد ذكر بورتون في أحد هوامشه أنه اضطر في إحدى المرات في المدينة إلى التمثيل بأنه يتناول كمياتٍ قليلةٍ جداً من الطعام ليحافظ على شخصيته كطبيبٍ زاهد (الشيخ عبدالله)، رغم أن كرم أهل المدينة وموائدهم العامرة كانت تغريه بتناول المزيد من الطعام. ليالي رمضان بمجرد انقضاء صلاة التراويح، يصف بورتون تحول المدينة إلى «خلية نحل لا تهدأ»؛ حيث يتدفق الناس نحو سوق السويقة والمناطق المحيطة بباب السلام. يقول بورتون في أحد اقتباساته اللافتة: «بعد الصلاة، تضاء المصابيح في كل زاوية، وتتحول المقاهي إلى نوادٍ أدبية واجتماعية، حيث يرتشف المصلون القهوة الممزوجة بالهال، ويتبادلون الأخبار في حواراتٍ تمتد حتى مطلع الفجر، وكأن الليل في المدينة هو النهار الحقيقي». ويشير بورتون إلى أن السمر في المقاهي كان يتسم بوقارٍ لافت، وقد لاحظ انتشار شرب القشر (منقوع قشر القهوة) الذي كان يفضله الكثيرون في تلك الحقبة كبديلٍ أخف للبن، لأنه يُشرب بكمياتٍ كبيرة دون أن يسبب الأرق الشديد الذي يسببه البن المركز، في مشهدٍ يجمع بين البساطة والعمق الاجتماعي. أما أعمق ما رصده، فهو شخصية «المنادي» ـ كان يقصد المسحراتي ـ الذي كان يجوب الأزقة الضيقة بطلته المهيبة وطبلته ذات الرنين الخاص، مناديًا لإيقاظ النائمين بعباراتٍ شجية، حيث وصف الضجيج المنظم، وصوت الطبول، والنداءات التي تخترق سكون الليل قبل الفجر، واعتبرها جزءًا من سيمفونية المدينة في رمضان. وهي صورة تتطابق تماماً مع ما دونه المؤرخ المدني الراحل أحمد أمين مرشد، الذي أكد في توثيقه للحياة الاجتماعية القديمة أن المسحراتي لم يكن مجرد منبهٍ صوتي، بل كان جزءًا أصيلًا من فلكلور المدينة الرمضاني الذي يمنح الليالي هويتها. مع اقتراب نهاية الشهر وترقب العيد يصف بورتون الأجواء بقوله: «مع اقتراب العشر الأواخر، تزداد وتيرة الروحانية في المدينة؛ فتضاء المآذن الخمس بشكلٍ أكثر كثافة، ويمتلئ الحرم النبوي بالمعتكفين الذين يهجرون بيوتهم طلباً للسكينة والعبادة. وفي هذه الأيام، تبدأ الأسواق، وخصوصاً سوق السويقة، في عرض ملابس العيد والحلويات التي تُصنع محلياً من التمر والعسل. لقد كان هناك شعورٌ بالحزن يمتزج ببهجة العيد؛ فحزنٌ على فراق الشهر الذي ألفه الناس، وبهجةٌ بما ينتظرهم من احتفال»، أما ليلة العيد فقد وصفها بورتون بأنها «انفجارٌ من الفرح، حيث يتبادل الجميع التهاني بكلماتٍ منتقاة، وتتزين الشوارع لاستقبال اليوم الكبير بمظاهر لم أرَ لها مثيلاً في رحلاتي السابقة». عبق «السويقة» الرمضاني كانت «سوق السويقة» هي القلب النابض للمدينة المنورة، وهي السوق التي وصفها بورتون بدقة مذهلة، مشيرًا إلى حيويتها التي تزداد اشتعالاً في ليالي رمضان. إذ كانت الحوانيت تصطف على جانبي الطريق الضيق، تبيع أصنافًا شتى من البضائع التي تجلبها القوافل. ويصف بورتون السوق بأنها كانت تكتسي حلة خاصة؛ حيث تُعلق الفوانيس الزيتية أمام الحوانيت، وتفوح روائح البخور والمسك الممزوجة بروائح التوابل والقهوة المحمصة. وقد ذكر المؤرخون السعوديون في وقتٍ لاحق أن السويقة لم تكن مجرد مكان للبيع، بل كانت ملتقىً اجتماعيًا وثقافيًا لأهل المدينة وزوارها من الحجاج والمعتمرين. في الأيام الأخيرة من الشهر، تكتسي السويقة طابعًا مختلفًا؛ حيث يبدأ الخياطون في العمل ليل نهار لإنجاز ملابس العيد. يقول بورتون: «لقد رأيتُ الصبية الصغار وهم يحملون أثوابهم الجديدة بزهوٍ وفرح، بينما تنشغل النساء في البيوت بإعداد ألوانٍ شتى من الحلويات التي تفوح روائحها في الأزقة». رحلة لا تغادر الذاكرة قضى بورتون شهر رمضان كاملاً في رحاب المدينة المنورة، مغتنمًا فرصة الصيام ومخالطة الناس في سوق السويقة والمسجد النبوي لتوثيق أدق تفاصيل حياتهم الاجتماعية والروحية. ومع إعلان هلال شوال، غادر بورتون المدينة قاصدًا مكة المكرمة مع الركب المدني لأداء مناسك الحج في ذي الحجة، ليختتم رحلته في شهر سبتمبر 1853م بالوصول إلى جدة، التي كانت محطته الأخيرة ومنها استقل السفينة مغادرًا. لم تكن مذكرات بورتون في حقيقتها إلا محاولةً لرصد ذلك الجلال الذي يلف طيبة الطيبة، والسكينة التي تنزل على أفئدة القاطنين فيها والزوار. فبينما كان يسجل مشاهداته، لم يملك إلا أن يبدي إعجابه بتلك الروحانية الطاغية التي تستمد هيبتها من جوار سيد المرسلين ﷺ. وقد عبر عن ذلك الأثر بقوله: «ثمة شعور بالهدوء والسكينة في المدينة المنورة لا يضاهيه أي شعور في مكانٍ آخر، وكأن المرء يجد فيها مرفأً آمناً من كل عناء». وتظل هذه المدونات شاهدًا تاريخيًا على مجتمعٍ تمسك بقيم الإكرام والبر، محولاً أيام رمضان إلى موسمٍ للطاعات والترابط الاجتماعي؛ لتبقى صورة المدينة المنورة في تلك الحقبة وثيقةً حية تبرهن أن طيبة الطيبة كانت وما تزال مهوى الأفئدة، وموطن السكينة التي لا تنقضي بمرور الأزمان.