«ذكريات الماضي» للكاتب عبد العزيز الحازمي..

قصص عن قدرات الطب الشعبي.

أهداني سعادة اللواء المتقاعد عبدالعزيز بن عبد ربه الحازمي آخر اصداراته، إذ صدر له من قبل ستة كتب. وقد عرفته من خلال ترددنا على صديقنا الشاعر والناشر الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي بدار المفردات للنشر منذ ما يقرب من عشرين سنة. نعود إلى كتاب الحازمي (من ذكريات الماضي)ط1، 2025م الصادر من دار المفردات الفصل الأول عن المسيجيد ومدرسة الصحراء التي بدأت من عام 1365ه وخرجت عدداً من المسؤولين فيما بعد، وبالذات في السكة الحديد مع بداياتها؛ إذ بعثت أول دفعة تخرجت منها عام 1369هـ لأمريكا وعادوا ليستلموا المراكز المتقدمة في سكة حديد الحكومة السعودية وغيرها. وذكر منهم فهد بن زامل الحربي الذي واصل دراسته حتى الجامعة، وأصبح من كبار مسؤولي السكة الحديد ومن مؤسسي نادي النهضة الرياضي بالدمام، ومن زملائه الذين بعثوا معه لأمريكا: سعود الأحمدي، وعن حفل وصول أول قاطرات السكة الحديد من الدمام للرياض في شهر المحرم لعام 1371ه برعاية الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود ــ رحمه الله ــ وكانت البعثة الصحفية تتكون من: عبد الله عريف عن جريدة البلاد السعودية، وحمزة بصنوي عن الإذاعة ومحسن بابصيل عن جريدة أم القرى، وعثمان حافظ عن جريدة المدينة المنورة. والفصل الثاني بقصة والده : عبد ربه بن محيسن الحازمي الحربي (1323-1412هـ) الذي يقيم بخُرص المسيجيد بينهما النازية (النازية، فيضة واسعة تقع قرب المسيجيد المعروف قديماً بالمنصرف)، وبداية والده مع التجارة بالمواد الغذائية مع تعلمه القراءة والكتابة لدى الفقهاء قبل افتتاح مدرسة الصحراء، ثم بدأ بممارسة الطب الشعبي وتجبير الكسور والكي والحجامة واعتمد في ذلك على ما يسمعه من غيره ممن سبقه، كل عمله هذا تطوعاً بلا أجر. وقال: “ .. ولما كان الوالد ـــــ يرحمه الله ـــــ قد ألم بالطب الشعبي ومعرفته بالأمراض، وخبرته بمعالجة بعضها في زمنه ونبوغه فيها أصبح معروفاً لديهم من خلال الدعاية له في حدود منطقته من خلال قصص علاجه للمرضى والتي تداولها الناس فيما بينهم”، وقد قال إنه قد سأل والده عن خبرته فأجابه: “العلاج النافع بصر وبصيرة من رب العباد”. روى قصته مع حفّار الآبار الذي فجر الديناميت فسقط على رجله حجر فهشمت ساقه فذهبوا به للمستشفى بالمدينة المنورة فقرروا قطع رجله، فذهبوا به لعبد ربه الذي جبر ساقه وحجبه لمدة أربعين يوماً وأصبح يمشي بعد أشهر فذهب لأطباء المستشفى واستغربوا أو طلبوا مقابلة الذي جبر كسره ليتعرفوا على طريقة علاجه. وذكر قصصاً كثيرة منها من كانت ترعى الغنم فتعثرت بحجر كبير سقط على قدمها وسحق أصابع القدم، فاستعملوا بعض الأدوية الشعبية التي لم تفد، وتورم ساقها، فاستدعوا عبد ربه الذي أحضر أدواته وأدويته فاستعمل الأعشاب لتطهير الجرح، فبدأ بالتخلص من أطراف الأصابع المصابة والتالفة، وذلك بواسطة مشرط، وطلب من أمها قص شعر من رأسها (أي ضفيرتها) وإحضار الشعر بعد تطهيره بالماء ومادة العرعر قبل بدء الخياطة. فأحضر إبرة خياطة ونظف الجرح، وجعل الدم ينزف حتى يكون صافياً وخالياً من الشوائب والبكتيريا، ثم وضع أدويته ليقف الدم، وبدأ في خياطة الجرح بشعر الفتاة، فطلب منهم الاعتناء بنوع طعامها وعدم تحريكها، ومن خلال مراقبته لها يومياً حتى شفيت وأصبحت ترعى الغنم. ويقول إبراهيم عبيد الحازمي الذي كان يعمل ممرضاً في إحدى المستشفيات: أنه يعرف عبد ربه لقرابته بوالدي أخبره مرة أنه عالج امرأة جاءته وهي مصابة في رمش عينها الأعلى وعلاجها بالكي وقام عبد ربه بلف قماش رقيق حتى أصبح كفص خاتم ووضعه بين الرمش والعين وثبت الرمش وكواه بمكوى خاص لمثل ذلك فشفيت ويسترسل إبراهيم أنه عرف ذلك من عبد ربه ومعروف أن المرض يسمى في البادية بالمستاكلة أما اسمه العلمي “ اللشمانيا Leishmamaia Majoz” تسببه ذبابة الرمل حيث لها إبرة خاصة بها بمضاد معروف. ومع مرور الزمن وهو في إحدى المستشفيات التي يعمل بها ويزاول علاج هذا المرض؛ لأن له تطعيماً خاصاً به، جاءته حالة في رمش أحد المرضى وعلاجه من نفس الحالة بإبرة خاصة، فيقول إبراهيم: تذكرت ما قام به عبد ربه وطبقته بلف قماش حول بعضه ووضعه بين الرمش والعين، ونجحت الفكرة، وعولج المريض. وهو مجرد محلول يصل داخل الجرح يشفي المريض، وأضاف: إنه يعرف الوالد ويقول إنه يساعد الآخرين ولا يقبل أي شيء على ما يقوم به، إضافة لإصلاح ذات البين بين الآخرين والذهاب معهم لأي قضية للصلح بينهم، وتوفي ــــ رحمه الله ـــ في يوم الجمعة 29/1/1421هـ وهو مولود في 1/7/1323هـ. ومن علاجه للآخرين رأى امرأة ترعى الغنم ويتبعها ابنها الصغير على ركبتيه ويديه، لعدم قدرته على المشي، فعطف عليه، فطلب من المرأة إحضاره وبدأ ينظف ركبتيه بالماء والصابون وأحضر الأدوية وخلطها ومنها “الكعبر” من عسل النحل وشحم الذيب ومزج الخليط مع بعض الأدوية وأمر والدته أن تواصل نظافته وتدليكه بهذا الدواء. حتى شفي وبدأ يمشي على قدميه ويزاول حياته بشكل طبيعي. ومن الصدف أنه في حفل زواج قبل أشهر من الآن حضره عبد العزيز بن عبد ربه الحازمي في جدة . فقال له أحد المدعوين: إن الرجل الذي عالجه والدك في ذلك الزمان، وكان طفلاً يحبو على يديه وركبتيه، موجود من ضمن المدعوين في الزواج، وأورد معلومات عنه ويدعى عايد عبدالله نغيمش الرجبي الجهني مولود عام 1376هـ انتقل إلى جدة وهو صغير ودرس بجدة، ثم التحق بمعهد الجمارك وتخرج، ثم عمل بجمارك جدة إلى أن تقاعد، وسُئل عن علاجه في صغره من قبل عبد ربه فقال: إن عمته عايدة نغيمش الجهني ذكرت له ذلك عندما كان صغيراً ومع مرور الزمن لا يتذكر تفاصيلها سوى الذي عالجه ذلك الشخص، وسبب وجودهم في ذلك الزمان بالديار التي بها عبد ربه .. لأن لهم أقارب هناك يتواصلون معهم وعمته توفت قبل سنوات وأغلب الذين يعرفون ذلك متوفون ـــــــ رحمهم الله جميعاً ــــــ وهو الآن مستقر بجدة ولديه أبناء منهم المتزوج، ويحمد الله على صحته وانتقاله من حياة البادية التي كانت صعبة المراس، واختيار أهله جدة عندما كان صغيراً وتكوين أسرة. وذلك كله بفضل الله ثم دولتنا العزيزة التي أسدلت على مواطنيها دور التعليم الذي نفتخر به بين الدول، أما عبد ربه فهو كان معروفاً بعلاجه للآخرين حسبما أسمع. ونتيجة لعلاج ذلك الطفل بعد مرور أشهر إذ بوالده قادماً يشكر عبد ربه ويقول له: إن أخت الطفل عمرها تسع سنوات هي زوجتك. فضحك عبد ربه، ولكنه بعد عشر سنوات كتب له مذكراً وينتظر قدومه للزواج منها، فطلب من ابنه عبد العزيز ــــــــــ المؤلف ــــــــــــ أن يكتب له شاكراً قائلاً: “ وفقكم الله لما ترضونه لها.. أما أنا فقد كبرت وأطلب من الله العون والسداد والدعاء من الأصحاب” . كما يُروى عن والد ــــ المؤلف اللواء عبد العزيز ــــ أنه قال:”باشر والدي علاج الآخرين مثل الكسور تقريباً وعمره حوالي خمسة وعشرين سنة، ويصف بعضاً مما تعلمه من أمثاله المعالجين، وله علاقة بالعطارين عند ذهابه إلى المدينة وجدة ومكة أثناء الحج لبيع بعض التمور والقلائد، وهذا النوع من زهو ثمار النخل، وخاصة نخلة تسمى الربيعة بوادي الصفراء، ويعالج زهوها بطبخة وإضافة له مواد مثل الكركم وغيره، ثم يجفف وينضم في خيط على شكل قلادة، ويفضلونه بعض الحجاج وتقديمه كهدايا عند عودتهم، كما ذكر أيضاً من بعض الحجاج الذين يتكلمون العربية أنه يستفيد منهم للعلاجات التي يشاهدها معهم، وكذلك عندما بدأت الصيدليات تبيع الأدوية بدأ لشرائها كالدجنان والأسبرين والكالمين وبعض مواد الجروح ولفائفها”.