ما لا نلتفت إليه
الرفقة في السفر وفي الطريق فيها أنس، تقصر بها المسافة مهما طالت، والجلوس مع الرفاق على سفرة طعام أمر له نكهته الخاصة. وفي ليالي رمضان تجد فرصة للاجتماع مع أقاربك وأصدقائك على مائدة إفطار أو سحور جماعية، وأحيانًا تتاح لك الفرصة لإعداد الطعام بنفسك في جلسة تجمعك مع ثلة ممن تحب. في تلك الأشياء التي قد لا يلتفت إليها البعض يتحقق معنى الألفة بين الناس، ويتخفف الإنسان قليلًا من أعباء الحياة ويلتقط أنفاسه. بعض الناس لا يطيق أن يتناول طعامه وحده، وفي هذا المعنى قال عروة بن الورد: إِنّي اِمرُؤٌ عافي إِنائِيَ شِركَةٌ وَأَنتَ اِمرُؤٌ عافي إِنائِكَ واحِدُ أبيات يرسخ فيها الشاعر معنى مشاركة الناس في الطعام والتي لها لذتها، بعكس من يتناول الطعام وحده. وإن كان للظروف دورها ولا ضير في ذلك، لكن الحديث هنا عن الشعور بمتعة مشاركة الناس التي لا يختلف عليها أحد. من حسنات شهر رمضان - وكله خير - مقابلة بعض الأحبة بعد طول غياب، لأن من بينهم من يختار أو يخطط أن تكون إجازته في شهر رمضان بين أهله وأحبته بعد أيام طويلة من العمل، وربما كان يعمل في مدينة أخرى. ليالي رمضان وأيامه لها سحرها وحنينها الخاص. بعد التراويح تمتد السهرات في البيوت والاستراحات على مائدة الشاي والقهوة، ولها نكهتها الخاصة في هذا الشهر خصوصًا إذا ما أعددت قهوتك بنفسك وهي تأتي بعد ساعات من الصيام. تتوالى الأحاديث، وتكثر الزيارات بين الأقارب، إلى جانب ما يشعر به الإنسان خصوصًا في أيام رمضان من هدوء مختلف يتخلله استغفار ودعاء وقراءة للقرآن. صحيح أن الإنسان يصنع بهجته، لكن ثمة شهورًا تلقي بظلالها على روحك وتبعث فيك السرور والشعور بالناس، وتلك من أهم المعاني التي يمكن أن يكتسبها الإنسان المعاصر مقابل ما يعيشه من تشتت في زمن وسائل التواصل الاجتماعي. وكأن رمضان يريد منا أن نتوقف مع أنفسنا ونلتفت لبعضنا، ويعيد لنا معنى الألفة الذي أصبح نادرًا لدى البعض الذي أشغلته الدنيا عن مخالطة أحبته. والحنين للناس والأماكن واللحظات الجميلة ليس عاطفة عابرة بل فطرة متأصلة في الإنسان. ألم يقل الشاعر: أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً بِوادٍ وَحَولي إِذخِرٌ وَجَليلُ