الترتيب البديع.

 يحتوي ترتيب أسماء الله الحسنى في فواصل الآيات القرآنية على لطائف بلاغية ويعدّ بابا من أبواب التدبّر في بلاغة القرآن، وللسهيلي وابن القيم فيهما كلام بديع يستحق النظر والمقاربة، كما في ترتيب (الغفور الرحيم) والعدول عنها في سورة سبأ إلى {الرحيم الغفور}، حيث يرى السهيلي أن تقديم الغفور على الرحيم أولى بالطبع، لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة  مطلوبة قبل الغنيمة، وأما في قوله تعالى:{وهو الرحيم الغفور} في سورة سبأ، فالرحمة متقدمة على المغفرة بالفضل والكمال، أو بالطبع، لأنها منتظمة بذكر أوصاف الخلق من المكلّفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشمل الخلائق جميعها والمغفرة تخصّ المكلّفين، والعموم مقدّم على الخصوص. وقد تعقّب ابن القيم السهيلي في هذا وذكر أن تقديم الرحيم على الغفور في آية سبأ جاء منتظما مع سياق السورة في تناسبها حيث بدأت بالحمد الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوته جلاله مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره، فقال في الفاصلة: {وهو الرحيم الغفور} فتضمّنت  هذه الآية سعة علمه ورحمته وحلمه ومغفرته، وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة، كما يقرن بين العلم والحلم، فما قُرن شيء أحسن من حلم إلى علم، ومن رحمة إلى علم، وقدّم (الرحيم) على (الغفور) في هذا الموضع لتقدّم صفة العلم فحَسُن ذكر الرحيم بعده ليقترن به، ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمّنها دفع الشرّ، وتضمّن ما قبلها جلب الخير. ولما كان دفع الشر مقدّم على جلب الخير في الأصل قُدّم الغفور على الرحيم في أكثر المواضع من الآيات القرآنية على الأصل، ولمّا كان في موضع آية سبأ سياق آخر، وهو سياق صفات الكمال، اقتضى ذلك تقديم الرحيم لأجل ما قبله فُقُدِّم في هذه الفاصلة على الغفور. هذا هو مختصر ما ذكره ابن القيم تعقيبا على السهيلي وهو يسير في واديه لا يزيد عليه سوى بوفرة الفوائد وتفصيل المسألة من جميع جوانبها.  وعلى الجملة فباب الترتيب لأسماء الله الحسنى وصفاته في فواصل الآيات باب بديع من التدبّر والتأمل البلاغي يحتاج إلى فطنة في التحليل تربطه بسياق الآية والسورة، كما يحتاج إلى موازنة بلاغية سياقية في سائر سور القرآن الكريم للوقوف على نظام القرآن في بنائه، وهو نظام بديع في مقابل نظام الكون البديع.