قراءة في ثلاثية خليل الفزيع القيصرية.. القيصرية (1)

ذات فاعلة للمكان ونماذج متعددة الأبعاد للشخصيات وتنوع للأصوات.

تحمل هذه الرواية عنواناً يوميء إلى محور أساسي من محاورها ، وهو الفضاء المكاني الذي لايشكّل مجرد مساحة تدور فيها الوقائع ؛ ولكنه يتّسم بكونه ذاتاً فاعلة فضلاً عن دوره في تحديد ملامح الشخصيات وهويتها و ثقافتها وقسماتها النفسية والاجتماعية و التاريخية ، وهو سوق من الأسواق الشعبية يقع وسط مدينة الهفوف بمحافظة الأحساء في المنطقة الشرقية ويعدُّ معلماً ومركزا اقتصاديّاً و سياحيّاً رئيساً، ويتميّز بالطابع التراثي التقليدي ، وهو عبارة عن ممرّات مغلقة و مسقوفة، ويعتبر أيقونةً تراثيّة و ثقافيّة له هويته التاريخية والسياحية. تذكّرنا هذه الرواية مع بقية أجزائها بالثلاثيات العربية و العالمية ، خصوصاً ثلاثية نجيب محفوظ : بين القصرين وقصر الشوق و السكرية التي حملت في عناوينها أسماء ثلاث حارات من أحياء القاهرة القديمة ؛ أما ثلاثية خليل الفزيع فظلّت تحمل عنواناً مكانيّاً واحداً له خصوصيّته وطابعه الذي يميّزه بشخصياته وواقعه الاجتماعي وسماته الحضاريّة ، وقد لفتني إلى أهمية هذا الإنجاز الروائي أنه يثري السياق السردي للروايات المتعدّدة الأجزاء في الأدب السعودي ، وأبرزها خماسية (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف (التيه – الأخدود – تقاسيم الليل والنهار – المنبت – بادية الظلمات) (أطياف الأزقة المهجورة) لتركي الحمد التي تتكون من (العدامة – الشميسي – الكراديب) وشبه الثلاثية التي ألفها عبد العزيز مشري ، وتتمثّل في (لغيوم ومنابت الشجر -ريح الكادي - ضوء بين غيمتين ) وهي تعدّ أقرب إلى الثلاقية لوحدة المكان ؛ فأحداثها تدور في مجملها في الجنوب ومحاورها متقاربة من حيث معالجاتها التي تتصلل بالمرض و الفقد ، وخصائصها الجمالية وبرنامجها السردي ، ومثل هذا يمكن أن يقال في روايات عبده خال ( الموت يمر من هنا وترمي بشرر وفسوق) و الحقيقة أن هذه الروايات ليست ثلاثيّات بالمعنى الفنّي ، أما ما نحن بصدده (ثلاثية خليل الفزيع) فهي ثلاثيّة متصلة الأجزاء تثري منجزات الرواية السعودية في هذا المجال ، لعلها تأتي تالية من حيث الأهمية الجمالية بعد (مدن الملح) من هنا كان لابد من الوقوف عندها والوفاء بحقها من الحفاوة و الاهتمام، فهي تأتي في سلسلة الروايات المتعددة الأجزاء في المنجز العربي ، مثل ثلاثية القاهرة سالفة الذكر وثلاثية غرناطة لرضوى عاشور ، والملهاة الفلسطينية لإميل حبيبي والّلاز للطاهر وطار ،وثلاثية الإسكندرية لإبراهيم عبد المجيد وغيرها. وهذا الجزء الأ ول الموسوم ب(القيصرية) يحمل ملامح متعدّدة من التوثيق والتأريخ و التحليل والتوجيه في إطار تشكيل جمالي متقدّم ، لايسلك أسلوب (الحكاية) بوصفها (احدوثة) تقليدية (توتة توتة فرغت الحدوتة) كما هو مألوف في الحكايات الشعبيّة والسرديات التي يتداولها العامة ،أو كتّاب الرواية الكلاسيكية ؛بل ينحو منحىً حوارياً وفقاً لباختين (بولوفونياً) حيث يتعدّد الرواة بتعدّد الفصول في المجمل، وإن تكرّر الراوي في بعض الأحيان؛ فكل سارد يحكي دوره في الرواية في تكامل و انسجام و توافق ، وربما كان هناك تباين محدود في وجهات النظر ، هذا من زاوية التبئير أي (منطلقات السرد ؛ إذا تبدأ بالراوي العليم ثم يتعدّد الرواة ، وتنطلق الرواية وفق خطة مدروسة في بناء الحبكة، فهناك تعريف بالمكان الذي يبدو أشبه بشخصية لها ملامحها ودورها وأثرها وأبعادها الاقتصدية و الاجتماعية و الحضارية والثقافية (بمعنى العادات و السلوك و المعاملات) والقيصريّة بوصفها عتبة رئيسة في العنوان ؛ فهي ليست مجرد حاضنة للأحداث ؛ بل ذات سرديّة و كائن حي يتعامل معه الكاتب على هذا النحو ، فهو يمرّ بالمراحل التي تُلمُّ بالذات الإنسانيّة ، وقد أشار إلى ذلك نصّاً حين تحدث عمّا ألمّ بالسوق من شيخوخة : “يتنفس مع الفجر ويختنق عند الغروب” و وصف محلاته بأنها “تشيخ قبل أصحابها” وكذلك المصطلحات الدارجة في لغة أهلها ، مثل ( المحسّنون ، أي الحلاقين ، والحفيزات أي الدكاكين الكبيرة و العماريات أي المظلات و ما إلى ذلك ) ويحتفظ المؤلف بسرٍّ، لعلّه أراد به التشويق مُمَثلاً في شخصية غامضة غريبة الأطوار (سنيد) وكأنه مَعلم من معالم المكان ، ويحيط المكان بتضاريس اجتماعيّة تميّزه عن غيره، وتبدو من قسمات شخصيته حين يشير إلى العائلات وتباين المذاهب مثل عائلة الربيعاني و الثوبان ، ولا يكتفي بذلك بل يبتدع إشكاليّة ومفارقة ؛ أما الإشكالية فتتمثل في تشابه الأسماء بين السيد و المسود و المفارقة في مزواجية السيد العقيم والقانع بواحدة عند المُخصب الولود ، وما إلى ذلك من ثنائيات تثري الظواهر الجماليّة للرواية عبر تعدّد زواياها و أبعادها . وقد عمد الكاتب إلى بناء شخصيات روايته الرئيسة بوصفها( نماذج اجتماعية من حيث التباين الطبقي ، واختلاف البنى النفسيّة على مستوى الطباع و السلوك و الأخلاق، ومستوى النوع (الأنوثة و الذكورة) وعزّز المفارقة في السلوك ، حيث العصبية الحادّة والعطف الحاني؛ كما تبدت في سلوك البطل الرئيس (أبو فارس) الذي كان يسرف في التقريع وكذلك في العطاء و الحُنُوّ ، وقدّمه في حالاته المختلفة وتحوّلاته ومواقفه المتعدّدة ، فالعصبي المزاجي (أبوفارس) ينقلب على ذاته فيتحوّل من الشراسة وسرعة الغضب والغيرة من صَبيّه (خليفة) إلى الهدوء والمحبة ووالودّ، و كذلك زوجة خليفة الفتاة المنكوشة الشعر الخشنة (هدية) التي تحوّلت امرأة رقيقة ودود ولود ، وابنة الزهراء (راضية) العاقّة إلى مطيعة بارّة ... وهكذا ، وقد قدم اشخصياته على نحو مزدوج من خلال ذواتها اعترافاًً وتوصيفاّ وصفاً وسرداً ؛ فخصّص لكل راوٍ منهم فصلاً وللبطل الرئيس فصلين متحدثاً عن ذاته و عن غيره . وقد اختار أسماءها بعناية ذات دلالة ؛ فخليفة الذي أطلقه على السيد و المسود دالّ على الأزمة التي كان ياني منها بطل الرواية (أبو فارس) حول من يخلفه بعد أن كادت أسرته تنقرض بلا وريث ، والاسم ذاته الذي أطلقه على صبيّه كثير العيال، نقيضه لما لديه من الخلف الكثير من نسله ، وكلاهما كانا خَلفاً لأبويهما الصديقين ، وناصر شقيق زهراء الذي نصر الشخصية الرئيسة (البطل) ولم يخذله و وافق على زواجه من أخته، و أبو فارس الكنية التي اختارها له تعبر عن طموحه في إنجاب من يكفيه شرّ العجز عن الإنجاب ويسمو بمقامه و مقام أسرته إلى مرتبة الفروسية بما تشي به من شجاعة وأصالة ، وراضية التي أذعنت لإرادة أهل زوجها ، و(زهراء) التي أزهرت وأثمرت وأنجبت بعد طول انتظار ،وما إلى ذلك من أسماء. وثمة ما يمكن ملاحظته من تعدد الرواة ، حيث توهم هذه الظاهرة بجماعيّة البطولة لأن كلَّ راوٍ له سرديته الخاصة وإسهاماته المركزية في تطوّر الأحداث باعتبار أن لكلٍّ همومه الخاصة ؛ ولكن ثمة محرّك رئيس لمختلف أحداث القصة وهو مسألة الإنجاب التي تؤرّق (أبو فارس) ممتدة من وصية الأب إلى الزيجات المتعثرة له إلى التحقّق المدهش ممثلاً في اكتشاف الحمل للتوأم عن طريق الصدفة المحضة ، وحلّ العقدة الرئيسة التي تعدّ الهَمّ الرئيس؛ فالبطولة ليست جماعية كما قد يتخيّل البعض لأن مفهومها- هنا - مختلف عما وقر في أذهان البعض ؛إذ تنتظم خيوط السّرد كلها منذ اليداية حول الشخصيّة الرئيسة و معاناتها ؛ وأما الشخصيات الأخرى فعلى أهميتها مجرد روافد و وسائل تغذّي المجرى الرئيس لهذه الإشكالية التي يمثلها (أبو فارس) أما ترتيب الفصول فهوقائم على الترقيم فحسب ؛ ولذلك دلالته على الحبكة التراكميّة التي يتواصل فيها السرد ولا يتشظّى ، فقد تألّفت الرواية من عشرة فصول منتظمة ، وكل فصل يقدّم الأحداث من وجهة نظر شخصية من الشخصيات الفاعلة في الرواية ، ما يدلّ على تدفق الوعي وثقة السرد وإحكامه ، حيث تبدأ الرواية بالفصل الاستهلالي الذي تتشكّل فيه المنطلقات السرديّة حيث المكان بهويته ووضعيته موصوفاً محدّد الملامح ،فاعلاً رئيساً في السرد ، يبدأ به البرنامج السردي وإليه ينتهي . أما فيما يتعلق بلغة الرواية وتعدّد الأصوات و اللغات في هذه الرواية فيمكن النظر إليها من زاويتين : خصائص الخطاب الروائي من حيث الأسلوب و الصياغة ، ثم تعدّد اللغات والأصوات ؛ فمن حيث الصياغة تبدو لغة سرديّة هادئة ناقلة للحدث بسلاسة دون تكلّف لبلاغة شعريّة أو زُخرف لفظيٍّ ، جُملها متناسقة حاملة لخصائص الشخصيات و الأمكنة ومُنبئة عن خصوصيّتها ؛ و أما فيما يتعلق بالأصوات المتعدّدة فهي ليست حاملة لوجهات نظر أيديولوجيّة ؛بل واقعيّة الرؤية تكشف عن منطق أصحابها وأسلوب تعملهم مع الآخرين و وجهة نظرهم في الوقائع والأحداث وتفسيرهم لها ؛ فثمة تفاوت وتنوّع بين الشخصية الرئيسة في عصبيتها وبراجماتيّتها وهمومها وبين خليفة الصبي العامل عنده ، وكذلك فيما يتعلّق بأخيه ومنطقه الهاديء ؛ وكذلك (ناصر) المتسامح المثقّف وأنسبائه المتعصبين وتشدّدهم ، وكذلك فيما يتعلق بالشخصيات النسائيّة في تفاوت السلوك و الخطاب و أسلوب القول وأخلاقيات أصحابه و قِيَمهم. أما فيما يتعلق باللغات وتمايزها في الرواية فالمقصود بها - من حيث المبدأ = قربها من العامية أو الفصحى ، وقاموس أصحاب المهن فيها ولغة السوق والدين و القانون وما إلى ذلك ، وهي تعكس التنوّع الاجتماعي والمهني مختلفةً بذلك عن الأصوات التي تدلُّ على الوعي و الرؤية و وجهات النظر، من هنا فإن تعدد اللغات في الرواية محدود بتخوم السوق و العادات و الطبقات الاجتماعية ، فاللغة في الرواية بشكل عام لغة وظيفيّة مرهفة الدلالة ، لاتخلو من الإيحاءات التي تُكسِبُها الطابع الأدبي في حدود الأداء السردي ومتطلباته وحدوده التأويليّة ؛ وقد بدا واضحاً أن السّمة الوصفيّة ركيزة مهمة ، وربما بدا أن لها خصوصيتها الأدائيّة التي تتّصل بالتوثيق والتدقيق لتحمل خصائص المكان تاريخيّاً واجتماعيّاً ولكنها تظل مواكبةً للسّرد لا تطغى عليه ولا تسلبه مهامّه ، وكذلك فإن محدودية المشاهد الحواريّة واقتضابها تعبرعن اقتصارها على ملامح الشخصية وأدائها الواقعي في المسائل الاجتماعية و المهنية. وفي الأجزاء التالية لهذه الثلاثية ما يمكن أن يجعل الصورة أكثر وضوحاً. في مقالة قادمة إن شاء الله.