الرَّقيم
استمتعت بالحوار الذي دار بين المهندس نواف البيضاني والأستاذ سلطان الموسى حول كلمة (الرقيم)، وكان من أمتع الحوارات التي جرت مؤخرا على منصة إكس، وأعدّه من المدارسة القرآنية المناسبة للشهر الكريم. والكلمة تكاد تكون بهذه الصيغة الفريدة من فرائد القرآن وهي موضع تأمل في بلاغة القرآن الكريم وإيثاره هذه المفردة تحديدا، على ما سواها من الكلمات التي قد تؤدي معناها من رقم أو رسم أو نقش أو مكتوب. ومما يحعل هذه الكلمة مفتاحا من مفاتيح التدبر أنها كانت موضع اختلاف بين المفسّرين على أكثر من وجه، فمنهم من ذكر أنها اسم القرية، وقيل اسم الوادي، وقيل: الصخرة، وقيل كتاب مرقوم على حجر، وقيل إنها رومية في الأصل، وهذا التعدد الدلالي لها يفسّر فرادتها فهي كالحجر الكريم، وكالدرّة التي ترى في صقالتها أكثر من وجه وأكثر من صورة، والسرّ البلاغي الكامن وراء استعمالها في سياق قصة أصحاب الكهف يكشف نفاستها وسرّ إعجازها، وهذا ما يعزز هذه الفرادة في هذا الموضع. فأن ترد الرقيم في سياق كهذا دون أن ترد في سياق آخر من القرآن وبهذه الصيغة، فذلك مؤشر على أن الكلمة تحمل في ذاكرتها رابطا يربطها بالحدث الفريد، المعجز، وهي من مشاكلة اللفظ للمعنى التي تعدّ من صميم البلاغة القرآنية، وهذا ما أراد أن يلفت إليه سلطان الموسى، حسب فهمي له، أو ما لفته في صيغة الكلمة وتوافقها، حسب رأيه، مع الكلمة اللاتينية Requiem. لا يهم بعد ذلك أن تكون الكلمة في أصلها عربية أو رومية، فهي باستعمالها على النظام العربي صارت عربية فصيحة، كغيرها من الكلمات القرآنية، وسواء كانت بمعنى الرقم أي النقش أو الموضع أو الكتاب المرقوم على حجر أو شاهد فورودها في سياق قصة أصحاب الكهف يجعلها تحمل هذه القيمة البيانية والخصوصية المتسقة والمنسجمة مع تاريخ هذه القصة وموضع حدوثها، وهذا سرّ من أسرار الفرائد القرآنية التي لا ترد في القرآن إلا مرة واحدة على هذا النحو. وبالنظر إلى صيغة المفردة على فعيل، من مادة رقم، لا كتب مثلا أو رسم، تبدو الدلالة أعمق من أن تكون مجرّد دلالة معجمية، فهي، فيما يبدو، بهذه الصيغة “الرقيم” تشير إلى رسوخ في الكتابة كرسوخ النقش في الصخر، وسواء أخذنا بقول نواف البيضاني في عربيّتها الخالصة، أو بقول سلطان الموسى حول علاقتها بالكلمة اللاتينية، فثمة رابط مجازي يربط بين القولين، فالمعنى الأول الذي ذكره نواف وهو السكون والراحة جذر للمعنى الثاني الذي أشار إليه سلطان، إن صحّ ما ذهب إليه، وذلك بعلاقة من علاقات المجاز المرسل، حيث يرتبط المعنيان معا بالاقتران، فالمزار مقترن بالموت، وهو السكون والراحة في القبر. وعلى هذا فاستحضار هذه العلاقات من المعاني مع فرادة الكلمة وخصوصيتها يجعل مدارستها والنقاش حولها فعلا من أفعال التدبّر، كما أن الكلمة نفسها مفتاح من مفاتيح التدبّر في فرائد القرآن الكريم، إذا اعتبرناها من الفرائد عطفًا على صيغتها، ولعل هذا ما أشكل على المفسرين الذين تعددت أقوالهم فيها إلى الحدّ الذي جعل ابن عباس رضي الله عنه يعدّها من ضمن المفردات التي لا يعلم تفسيرها، فيما أورد الطبري والسهيلي، حيث ورد عنه:” كلّ القرآن أعلم إلا الرقيم والغسلين وحنانا والأوّاه”. وعلى هذا فما تفضّل به نواف البيضاني من مقاربة ممتعة، وهو الفاحص الخبير باللغات، وتتبّعه لأصول الكلمة في اللاتينية وإشارته إلى أنها تعني الراحة والسكون في أحد تصريفاتها قد يتيح لنا الاستئناس بما ذكره سلطان الموسى، لا في رومية الكلمة بالضرورة، وإنما في الأصل المشترك والموافقة الصوتية التي تكشف عن بلاغة المفردة في هذا السياق المرتبط بحدث معجز يرشّح اختيار هذه الفريدة بهذه الصيغة الدالّة، وهو نوع من التأمل والتدبّر في بلاغة القرآن. ويبقى القول إن الظفر بمثل هذا النقاش في منصة إكس عزيز ونادر ندرة الكبريت الأحمر، وحقّه أن نشكر طرفي النقاش على هذه المدارسة القرآنية التي خرجنا منها بهذا التأثيل اللغوي المقارن، ولا أرى أن نحمل الأمر محمل المغالبة والمنافرة ما دامت الغاية بينهما النظر والتدبّر والبحث عن وجه الصواب في المسألة، فالأمر لا يدعو إلى المجالدة، بل الأوفق هنا المجادلة بالحسنى والرفق في الحوار، لاسيما أن هذه المفردة القرآنية وردت في سياق قصة سأل عنها المشركون واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت الإجابة مفصّلة حيث ذكر السهيلي أن الله لم يترك من بيان حالهم شيئا حتى ذكر حال كلبهم، فقد جاءهم النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ببيان مفصّل ذكر فيه هيئاتهم وهيئة كلبهم وهم في الفجوة، وفي هذا كله برهان عظيم على نبوّته ودليلٌ على صدقه، والنظر إلى مفردة الرقيم في سياق هذا الحدث يعزز فرادتها ونفاستها وما تتضمّنه من أسرار دلالية وبلاغية.