تقليد سياسي واسلامي لا يغيب عن الذاكرة السعودية..

رحلة الملك عبدالعزيز السنوية لقضاء العشر الأواخر بجوار الحرم.

لم تكن الرحلة السنوية للملك عبدالعزيز (رحمه الله) إلى مكة المكرمة في العشر الأواخر من شهر رمضان مجرد انتقال جغرافي من عاصمة الحكم إلى قبلة المسلمين، بل كانت فعلًا سياسيًا وروحيًا مركبًا، تتداخل فيه معاني العبادة مع رمزية الدولة، وتتجلى فيه طبيعة العلاقة التي صاغها المؤسس بين الحكم والدين، وبين القيادة والمجتمع. هذه الرحلة الراتبة، التي التزم بها الملك عبدالعزيز على مدى سنوات طويلة، شكّلت نموذجًا مبكرًا لفهم الدولة السعودية لمسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين، ورسّخت تقليدًا سياسيًا ودينيًا ظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية. انتظام الرحلة الملكية اتسمت رحلة الملك عبدالعزيز إلى مكة المكرمة بانتظامها اللافت، إذ دأب ــ بعد توحيد معظم أراضي المملكة ــ على مغادرة الرياض في وقت مبكر من شهر رمضان، أو بعد منتصفه بعدما باتت الرحلة تتم بالسيارات، ليكون حاضرًا في مكة خلال العشر الأواخر، متفرغًا للعبادة وملازمًا للحرم الشريف. هذا الانتظام لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تعبيرًا عن رؤية واضحة لمكانة الحرمين في مشروع الدولة السعودية، وكما تورد دارة الملك عبدالعزيز في عدد من دراساتها عن سيرة المؤسس وتنقلاته الموسمية فإن هذا الحضور تكرر سنويًا على مدى سنوات متعاقبة بعد استقرار الحكم في الحجاز، ما جعله جزءًا ثابتًا من تقويم الحكم الرمضاني في عهد المؤسس. وتكشف الوثائق أيضا أن هذه الرحلة كانت تُعد مسبقًا من حيث الترتيبات الأمنية والإدارية، دون أن تتحول إلى استعراض، إذ حرص الملك عبدالعزيز على أن تكون إقامته في مكة ذات طابع بسيط، متواضع، أقرب إلى حال الناس، وهو ما أسهم في ترسيخ صورته بوصفه حاكمًا قريبًا من المجتمع، لا منفصلًا عنه، وهذا البعد الأخلاقي يُعد من السمات المركزية في شخصية المؤسس. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل انتظام الرحلة عن سياق أوسع، يتمثل في سعي الملك عبدالعزيز إلى تأكيد مركزية مكة المكرمة بوصفها القلب الروحي للأمة الإسلامية، ومركزًا رمزيًا للدولة الناشئة. فالحضور السنوي للملك في العشر الأواخر كان يحمل رسالة صامتة مفادها أن الحكم في السعودية يضع خدمته للحرمين في المقام الأول . طريق الرياض ــ مكة لم تكن الطريق بين الرياض ومكة في تلك الحقبة مجرد مسار صحراوي طويل، بل كانت ممرًا سياسيًا واجتماعيًا، تمر عبره الدولة وهي في طور التشكّل. فقد كانت الرحلة تستغرق أيامًا طويلة، وتعبر مناطق متعددة، ما أتاح للملك عبدالعزيز الالتقاء بشيوخ القبائل وأعيان المناطق، والاستماع إلى شكاوى الناس واحتياجاتهم. وتشير دارة الملك عبدالعزيز إلى أن هذه الرحلات مثّلت وسيلة غير مباشرة لتعزيز وحدة البلاد وربط أطرافها بالمركز. كما أن اختيار الطريق ذاته كان يخضع لحسابات دقيقة، تراعي الأمن والاستقرار، وتعكس في الوقت نفسه مدى سيطرة الدولة على أراضيها. فمرور الموكب الملكي عبر مناطق مختلفة دون انقطاع أو اضطراب كان إعلانًا عمليًا عن ترسخ سلطة الدولة، وقدرتها على تأمين الطرق، وفي الجانب اللوجستي، يُذكر أن الموكب كان يضم أحياناً أكثر من 200 سيارة، تحمل المؤن والأجهزة اللاسلكية التي لم تنقطع عن العمل لمتابعة أخبار العالم من أمريكا وأوروبا. ورغم تطور وسائل النقل، بقيت صلابة الملك حاضرة؛ ففي إحدى الرحلات، حين تعطلت القافلة بسبب سيول جارفة، أصر الملك على المضي قدماً وعدم العودة إلى الرياض، قائلاً لمرافقيه ما معناه إن «حبسنا العذر، فلا يحبسنا العجز»، معتبرًا أن الوصول إلى مكة في موعده الرمضاني التزام لا يُعلّق بسهولة. وفي إحدى السنوات، تعطلت إحدى سيارات الشحن (اللوري) التي تحمل مؤن الإفطار للمرافقين في منطقة وعرة بين الرياض ومكة. رفض الملك أن يتقدم الموكب ويترك العمال والسائقين خلفه، وأمر بنصب الخيام في مكان العطل، وقضى ليلته معهم في العراء حتى تم إصلاح السيارة، وكان يقول كلمته المشهورة: «نحن خويّا (رفاق) في الطريق، لا يتقدم أحدنا على الآخر»، معتبراً أن الرفقة في السفر أمانة، وهو ما يفسر ولاء رجاله الشديد له. العشر الأواخر بالحرم حين يصل الملك عبدالعزيز إلى مكة، تتغير طبيعة حضوره؛ فالحاكم هنا يتحول إلى عابد، والملك إلى فرد من جماعة المسلمين. وقد حرص ــ بحسب ما تذكره دارة الملك عبدالعزيز ــ على ملازمة الحرم الشريف، والإكثار من الصلاة والاعتكاف، وقضاء معظم وقته في العبادة، بعيدًا عن مظاهر الحكم اليومية. هذا السلوك لم يكن انعزالًا عن الشأن العام، بل كان تعبيرًا عن فهم عميق لدور الحاكم في لحظات الذروة الروحية، ففي رمضان عام 1364هـ (الموافق لعام 1945م)، وبعد أشهر قليلة من لقاء الملك المؤسس بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، قضى الملك العشر الأواخر في مكة، وكانت برقيات المتابعة لنتائج الحرب العالمية الثانية تصله إلى مكتبه في مكة، حيث كان يتابع ترتيبات ما بعد الحرب مع مستشاريه. وتذكر الوثائق أن الملك عبدالعزيز كان يقيم مائدة إفطار وسحور يومية في قصر السقاف، ولم تكن مقتصرة على المسؤولين، بل كانت مفتوحة لعامة الناس والفقراء، وكان الملك يشرف بنفسه على توزيع «الصدقات الملكية» في العشر الأواخر، وهي مبالغ نقدية وكسوة تُصرف لأيتام وأرامل مكة. وكانت تسمى «العوائد»، وظلت وثائق الدارة تحتفظ بسجلات بأسماء العائلات المكية التي كانت تشملها هذه الرعاية السنوية الراتبة. وقد التفت عدد من معاصري الملك عبدالعزيز إلى دلالة حضوره في العشر الأواخر، وسجلوا شهاداتهم حول ذلك في مذكراتهم، فالدبلوماسي والمفكر حافظ وهبة، الذي عمل مستشارًا للملك وممثلًا له في الخارج، يذكر في مذكراته أن الملك في مكة «كان أقل حديثًا وأكثر إصغاءً»، وأن الملك في الحرم كان يخصص وقتاً طويلاً للتدبر الصامت، وكان يرفض أن تُقطع خلوته إلا لأمر جلل يخص أمن المسلمين. أما يوسف ياسين فيضيف تفصيلاً مهماً بأن الملك كان يحرص على ختم القرآن في ليالي العشر، وكان يختار المقرئين ذوي الأصوات النجدية والحجازية ليتناوبوا القراءة في مجلسه. فيما سجّل الرحالة البريطاني عبدالله فيلبي (جون فيلبي)، في كتابه عن الجزيرة العربية أن إقامة الملك في مكة كانت «ذات مغزى يتجاوز الطقوس»، إذ رأى فيها تأكيدًا عمليًا أن سيادته على الحجاز تستند إلى احترام قدسية المكان وخدمة شعائره، لا إلى مظاهر القوة وحدها، كما يصف في كتاباته كيف كانت «هيبة الملك تذوب في جلال المكان»؛ إذ رآه يطوف بالبيت كأي عابر سبيل، مؤكداً أن هذه البساطة كانت أقوى رسالة سياسية وهي أن الحاكم «خادم» وليس «سيداً» للمكان. ويصف إبراهيم الحسون (في رصيف الذاكرة) لحظات دخول الموكب إلى مكة بملابس الإحرام، وكيف كان الترقب الشعبي لطلعة الملك يمثل عيداً ثانياً لأهل مكة قبل حلول الفطر. إدارة شؤون الدولة في الوقت ذاته، لم تنقطع صلة الملك عبدالعزيز بإدارة شؤون الدولة. فقد كانت مكة خلال العشر الأواخر تتحول إلى مركز قرار هادئ، تُدار منه الملفات الكبرى بقدر من التروي، مستندة إلى قيم العدالة والتوازن. هذا الجمع بين العبادة والمسؤولية يعكس نموذجًا فريدًا في الحكم، فقد كان يستقبل أمراء المناطق في مكة خلال رمضان، ويناقش ملفات تنظيم شؤون الحج والأمن والقضاء، حيث لا يُنظر إلى الدين بوصفه شأنًا خاصًا، ولا إلى السياسة باعتبارها مجالًا منفصلًا عن القيم، كما نوقشت خلال إقاماته المكية ملفات توحيد المرجعية القضائية بين الحجاز ونجد. لقد كان وجود الملك عبدالعزيز في مكة خلال العشر الأواخر رسالة موجهة إلى الداخل والخارج، مفادها أن قدسية المكان تُصان بالحضور المتواضع والعمل الصامت، لا بالخطابات أو الشعارات، وهو ما يتواصل مع الخطاب الرسمي السعودي المعاصر حول خدمة الحرمين، الذي يؤكد أن شرف الرعاية يقترن بثقل المسؤولية، وأن خدمة ضيوف الرحمن عمل مؤسسي مستدام لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بثوابت الدولة. فكما رسّخ المؤسس حضوره العملي بجوار الحرم، تواصل المملكة اليوم هذا النهج تجاه المقدسات الإسلامية، وتؤطره الأنظمة وتدعمه المشاريع التطويرية المتتابعة.