التطرف في جوهره انحراف عن التوازن، وقد يتخذ صورتين متقابلتين: تطرف يساري يدفع بفكرة الحرية إلى حدود الانفلات الكامل من أي مرجعية، وتطرف يميني ينغلق على يقين صلب يرى العالم من زاوية واحدة. غير أن فيلم “بنات ألفة” للمخرجة التونسية “كوثر بن هنية” الصادر عام 2023 يدخل مباشرة في شرنقة التطرف اليميني الديني، ويقاربها من داخل البيت من قلب أمٍّ فقدت ابنتين لصالح فكرة مؤدلجة. الفيلم الذي تشارك فيه هند صبري إلى جانب ألفة الحمروني وبناتها، يبتكر شكلاً سينمائياً لافتاً يمزج الوثائقي بالتمثيل. تستدعي المخرجة ممثلات لتجسيد الابنتين الغائبتين، فتغدو الشاشة مساحة لإعادة تمثيل الذاكرة. هذا الخيار الجمالي عبارة عن موقف فكري؛ فالتطرف ذاته يقوم على رواية مغلقة للواقع، بينما يفتح الفيلم الرواية على احتمالات ويكشف هشاشتها. التطرف الديني كما يتبدى في سياق الفيلم بنية ذهنية تقوم على احتكار الحقيقة وعلى تحويل الإيمان إلى هوية صلبة تقصي ما سواها. هو يقين لا يحتمل السؤال، ويحوّل الشك إلى خيانة، ويعيد تشكيل العالم في ثنائية حادة: نحن وهم. في مثل هذا المناخ يصبح الانضمام إلى جماعة مؤدلجة وعداً بالخلاص من الحيرة ومن الفوضى الداخلية ومن شعور التهميش. الفكرة تمنح معنى سريعاً ومباشراً لكنها تسلب الفرد تعقيده الإنساني. ما يميز معالجة كوثر بن هنية أنها تكشف الجذور النفسية والاجتماعية. ثمة بيت مضطرب وعلاقة أمومة متوترة، وذاكرة عنف سابق، وخليط من الخوف والرغبة في السيطرة. الكاميرا لا تحاكم بقدر ما تصغي. الغرف الضيقة، الإضاءة المترددة بين الظل والنور، الصمت الثقيل بين الأم وبناتها، كلها عناصر بصرية تحاصر الشخصيات داخل شعورها بالاختناق، وكأن البيت نفسه يتحول إلى استعارة لوعي مغلق. تقنية التمثيل البديل تمنح العمل بعداً نقدياً إضافياً. حين تؤدي هند صبري دوراً داخل هذه البنية المعقدة فإنها تكشف حدود التمثيل ذاته. المشاهد يدرك أنه أمام إعادة بناء ومع ذلك يتورط عاطفياً. هنا ينجح الفيلم في ايجاد مسافة مزدوجة: تعاطف إنساني من جهة، وتأمل فكري من جهة أخرى. هذه المسافة تمنع الانزلاق إلى الميلودراما، وتحفظ للنص السينمائي صدقيته. حين تتداخل الممثلة مع الشخصية الحقيقية، يتولد أثر مزدوج؛ تعاطف عميق من جهة وشعور خافت بالاصطناع من جهة أخرى. هذا التوتر ليس عيباً بالضرورة، لكنه يضع العمل على حافة دقيقة بين إعادة بناء الذاكرة واستثمارها درامياً. وهنا تكمن مغامرة الفيلم الحقيقية: أن يسير فوق خيط رفيع بين الصدق الفني وخطر المبالغة العاطفية، وأن يراهن على وعي المتلقي كي يشارك في تفكيك ما يرى، دون أن يستهلكه بوصفه مأساة جاهزة. النقطة الأكثر قوة في الفيلم أنه يعيد تعريف التطرف بوصفه أزمة هوية قبل أن يكون موقفاً أيديولوجياً. الشابتان لا تذهبان إلى التنظيم بحثاً عن الموت، وإنما عن معنى. في وضع مرتبك تبدو الفكرة الصارمة أكثر إغراءً من الأسئلة المفتوحة. ومن هنا تأتي المأساة: حين يتحول اليقين إلى بديل عن الحب، والانتماء العقائدي إلى تعويض عن الأمان الأسري. وربما هنا تكمن قسوة الفيلم الحقيقية: أنه يعيد التطرف إلى الداخل، إلى تلك المساحات الصغيرة التي يتكوّن فيها الخوف، وتُزرع فيها بذور اليقين الصلب. فالفكرة المتشددة تنمو في فراغٍ ما، في سؤال لم يُسمع، في ألم لم يُحتوَ. وهكذا يصبح “بنات ألفة” فيلماً عن بيتٍ لم ينتبه إلى أن الجدران قد تضيق أحياناً حتى تدفع أبناءه إلى البحث عن هواءٍ آخر، ولو كان ملوثاً بالوهم.