تأتي رواية طيف الحلاج للروائي مقبول العلوي الصادرة عن دار الساقي كتجربة سردية واعية بتشابك الأسئلة التي تفتحها وبحساسية المناطق التي تلامسها، فهي رواية لا تكتفي بالحكاية وحدها بل تستدعي التاريخ وكأنه خلفية دلالية فاعلة، فمنذ بدايتها تضع الرواية قارئها أمام بنية دائرية متكسرة تتقاطع فيها البداية والنهاية، وتتداخل الأزمنة، وكأن النص يريد القول إن الأسئلة الكبرى لا تُغلق، وتعود بأشكال مختلفة. تقوم الرواية على حكايتين متوازيتين، حكاية تاريخية مستعادة، وحكاية روائية راهنة، ولا تسير إحداهما بمعزل عن الأخرى، إذ تستدعي كل واحدة نظيرتها، وتتقاطع معها في الأسباب والنتائج، وفي تغليب الدوافع الشخصية داخل أطر عامة. في الحكاية الراهنة تتمحور الأحداث حول ثلاث شخصيات رئيسة، الدكتور نوري، والدكتور فالح، وحليمة، حيث تنتظم علاقاتهم في شبكة غير متوازنة تحكمها مشاعر مكبوتة من الغيرة والحسد والرغبة في السيطرة، ويُقدَّم الدكتور فالح ابن العم الأكبر الذي مارس دور الوصي في مرحلة ما، لكنه أخفى في داخله شعورًا دائمًا بتفوق مهدد سرعان ما يتحول إلى عداء صريح. تتضح ملامح هذه الشخصية أكثر حين يتزوج نوري من حليمة طليقة فالح، عند هذه اللحظة ينكشف ما كان مضمرًا، وتبدأ سلسلة من الأفعال التي لا يمكن فصلها عن دوافعها الشخصية مهما ارتدت من أقنعة أخلاقية أو معرفية، إذ يستخدم فالح ما في حوزته من علاقات ومكانة للتشهير بابن عمه، ويتسبب في انهيار زواجه، ويُسهم في سحب جهده العلمي وإقصائه من المؤسسة التي ينتمي إليها، وتكشف يومياته لاحقًا عن شخصية متأزمة تعاني اختلالًا داخليًا، وتستثمر الخطاب القيمي ستارًا لتبرير أفعالها . في المقابل يظهر نوري باحثًا و غارقًا في موضوعه إلى حد التماهي، فالحلاج لا يبقى مادة دراسة ويتحول إلى حضور داخلي دائم يرافقه في وعيه وأحلامه وهلوساته، وتتكاثر المشاهد الحلمية في الرواية ويطول بعضها، ما يفتح سؤال الصحة النفسية للشخصية، وهو سؤال لا تتجاهله الرواية إذ تطرحه صراحة من خلال تشخيص طبي لحالته، ومع ذلك لا تُختزل تجربة نوري في هذا البعد وحده، إذ تتجاوز ذلك إلى لحظة أخلاقية مفصلية حين يختار إحراق أدوات الانتقام التي تقع بين يديه، متحررًا من سنوات طويلة من الأحقاد، ومؤثرًا الصفح بوصفه فعلًا تحرريًا. أما حليمة فتشكل البعد الإنساني الأكثر إيلامًا في الرواية، فهي صورة لامرأة تتقاطع عندها أشكال متعددة من القهر الاجتماعي، لا يمارسها الرجال وحدهم وتشارك فيها النساء أيضًا، فمن حادثة ختانها القاسية في الطفولة، إلى زواجها القسري، ثم اكتشافها العنف الذي عاشته، وصولًا إلى انهيار زواجها الثاني، تتجسد في شخصيتها كلفة العنف الرمزي والجسدي، وتظهر بوصفها كائنًا يتأرجح بين الرضوخ والتمرد، وبين الرغبة في الاستقرار والخوف منه. أما في خطها الزمني الآخر تستعيد الرواية سيرة الحلاج كسيرة صوفية ونموذجًا مكثفًا لتجربة إنسانية اصطدمت بمنظومة فكرية مغلقة لا تحتمل الاختلاف ولا تقبل بتعدد التأويل، فإقصاء الحلاج في زمنه يُقدَّم كحدث تاريخي منتهٍ وكعلامة على آلية متكررة تعمل كلما خرج الفرد عن الإطار المألوف وكلما تجاوزت الفكرة قدرتها على الاحتمال الجمعي، وفي الخط الموازي تتكرر الآلية نفسها في زمن معاصر حين يُسحب جهد علمي من صاحبه لا بسبب خلل معرفي حقيقي وإنما لأن موضوعه يلامس منطقة إشكالية داخل المؤسسة المعرفية. في المحصلة تقدم «طيف الحلاج» نصًا غنيًا يشتبك مع التاريخ دون أن يستنسخه، ويضع القارئ أمام أسئلة غير مريحة حول الإقصاء وهشاشة المعرفة وكلفة الذهاب بالأسئلة إلى نهايتها. رواية تترك أثرها ممتدًا في الوعي، مثل طيف لا يختفي تمامًا.