العيد بهجة الأيام.
للعيد بهجة محل اتفاق بين القلوب، لكن تعالوا للنظر إلى العيد من زاوية الأجيال في زماننا. قبل العيد بأيام كنت أرافق بعض الأصدقاء لشراء ملابس العيد من إحدى الأسواق، وكانت جميعها تتركز حول الحرم ومنطقة قباء. وكان لتلك الأجواء على بساطتها بهجتها الغامرة يشعر بها من عاشها، ومع أول هلال للعيد يملأ الحارة شعور غامر بالسعادة، إضافة لحلاوة تذوق طعام الفطور: جبنة وحلاوة وزيتون ومقدوس، والأخير سبحان الله حظه يعلو في العيد! وربما تتفاوت تلك الأصناف بحسب الأسر واختلاف الثقافات. بالنسبة للحلويات، لم تكن كما هي اليوم متنوعة تصنعها كبريات الشركات، وكانت الحلقوم سادة أو بالفستق تمثل ذروة الذوق. والعيد طبعًا بما يحمله من أثر روحي ونفسي أكبر من كل تلك المعاني، وإن كانت تلك الأشياء من مظاهره وأبرز ملامحه. أستدعي ذكريات ذهابنا للسوق والدكاكين المجاورة للحارة مع الرفاق لشراء ملابس العيد وأنا أرى أبنائي اليوم يطلبون ملابسهم في معظم الأحوال عبر المتاجر الإلكترونية، وحتى حلاوة العيد يمكن أن تدخل لتلك المتاجر وتختار ما تريد ويصلك إلى منزلك مباشرة. فيما امتلأت الأسواق بمختلف الموديلات والأزياء والعطور من كافة أنحاء العالم وتتفاوت بطبيعة الحال أسعارها، وهم يرون في ذلك تنوعًا ورفاهية أكثر. ولكنني لست متأكدًا في ميزان البهجة إذا ما كان شعورهم بالعيد نفس الشعور الذي كنا نشعر به حين نحصل على حلاوة الحلقوم الطرية التي تذوب في الفم، بينما كانت معظم الحلويات المتاحة صلبة تكاد تكسر الأسنان! وحين نرتدي ثوب العيد رغم عيوب الخياطة: أكمام طويلة تتدلى، جيوب في أماكن عجيبة، وثوب إما ضيق يخنق أو واسع يسبح فينا. لكن بهجة العيد تنسينا تلك العيوب. وهل وفرة الأشياء وتنوعها دائمًا دافع لمزيد من الشعور بالسعادة؟ أم أن البساطة التي واكبت ظروف تلك الأيام كانت عنوان البهجة الحقيقي؟ أم أن للطفولة دهشتها الخاصة سواء كانت في زماننا السالف أم الآن؟ والأخيرة لا أستبعد وجاهتها، لكن حتمًا الشعور بالعيد وإن كان ثابتًا كثبات هلاله، إلا أن الحياة تغيرت وتطورت وتبدلت أحوالها. ولا شك أن كل قفزة اجتماعية يعيشها الإنسان تفرض عليه أنماطًا من التفكير والرؤى والمواكبة، وإن ظل للعيد خصوصيته وبهجته التي تدور حولها القلوب مهما تبدلت الأيام.