قراءة في مسار عزيز محمد بين «الحالة الحرجة للمدعو ك» و«غرباء حميميون»..

من صدمة البدايات إلى اختبار الاستمرار .

لم يكن ظهور الكاتب عزيز محمد في المشهد الروائي السعودي ظهورا عاديا، بل جاء عبر عمل أوّل أثار - منذ صدوره - صدى واسعا على مستويات متعدّدة: نقدا، وترجمة، وفي فضاء المسابقات والترشيحات. شكّلت روايته “الحالة الحرجة للمدعو ك” (2017) لحظة لافتة في سياق الرواية السعودية الجديدة، ووضعت الكاتب مبكّرا أمام سؤال مركزي: هل نحن إزاء موهبة عابرة أم مشروع سردي قابل للتطوّر والاستمرار؟ هذا السؤال ظلّ معلّقا طيلة ثماني سنوات، وهي مدّة طويلة نسبيا في مسار كاتب شاب، قبل أن يصدر عمله الثاني “غرباء حميميون” (2025)، الذي لم يُقرأ بوصفه رواية جديدة فحسب، بل بوصفه اختبارا لمسار الكتابة واتجاهها، ومحاولة لفهم ما إذا كان عزيز محمد سيعيد إنتاج لغته الأولى، أم سيغامر بتحويل أسئلته السردية نحو أفق آخر. الرواية الأولى: تعريف وسياق التلقّي صدرت الرواية الأولى للكاتب السعودي عزيز محمد بعنوان الحالة الحرجة للمدعو ك سنة 2017 عن دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت. شكّلت منذ ظهورها حدثا لافتا في سياق الرواية السعودية المعاصرة، لما حملته من وعي جمالي وتجريبي مبكّر، تجاوز منطق “العمل الأوّل” إلى أفق المشروع السردي. تقع الرواية في نحو 269 صفحة، وقد لقيت منذ صدورها إقبالا قرائيا ونقديا ملحوظا، تُرجم لاحقا في استمرار تداولها في المعارض العربية، ما يؤشّر إلى حضورها المستدام في المشهد الثقافي، لا بوصفها نصا عابرا، بل علامة تأسيسيّة في تجربة كاتبها. تنتمي الحالة الحرجة للمدعو ك إلى نمط سردي وجودي تجريبي، يقوم على استدعاء دلالي واضح لعالم فرانز كافكا، ولا سيما عبر شخصية «ك»، بما تحمله من رمزية للاغتراب، والعبث، والمواجهة مع المرض. غير أنّ الرواية لا تكتفي بالتناصّ الاسمي أو الإحالة الثقافية، بل تعيد توطين هذا الأفق الوجودي داخل سياق عربي معاصر، حيث تتجسّد السلطة في صور مؤسّسية واجتماعية ونفسية، وتتحوّل الذات إلى كيان هشّ محاصر بالشك والارتياب وفقدان المعنى. على مستوى التلقّي والانتشار، حظيت الرواية باهتمام نقدي مبكّر، تُوِّج بحضورها في فضاء الجوائز، إذ رُشّحت للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2018، وهو إنجاز لافت لرواية أولى، أسهم في ترسيخ اسم عزيز محمد ضمن الأصوات السردية السعودية الجديدة التي يُعوَّل عليها. كما تجاوزت الرواية حدود القراءة العربية عبر ترجمات إلى لغات أجنبية عدّة، من أبرزها: الترجمة الإنجليزية بعنوان The Critical Case of a Man Called K، بترجمة همفري ديفيز، وصادرة سنة 2021 عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC Press). ترجمة فرنسية أسهمت في إدخال النص إلى الفضاء الفرنكوفوني. ترجمة صينية صدرت لاحقا عن دار نشر صينية متخصّصة، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بالرواية خارج سياقها الثقافي الأصلي. تكتسب الحالة الحرجة للمدعو ك أهميّتها، إذا، لا من كونها رواية أولى ناجحة فحسب، بل لأنّها وضعت كاتبها منذ البداية أمام رهان الاستمرار لا رهان التجربة. فقد تحوّل هذا العمل، بما راكمه من صدى نقدي وترجمي، إلى مرجع تأسيسي في قراءة مسار عزيز محمد، وإلى نقطة انطلاق لحالة انتظار نقدي امتدّت لسنوات، مهّدت لقراءة عمله الثاني غرباء حميميون بوصفه لحظة كشف لمسارات الكتابة وتحوّلاتها. غرباء حميميون واختبار التحوّل أعقب الصدى الواسع الذي حقّقته رواية الحالة الحرجة للمدعو ك صمت إبداعي امتدّ نحو ثماني سنوات، وهو صمت شكّل زمنا نقديا ضمنيا جعل كلّ تحرّك جديد للكاتب محطّ اهتمام ومساءلة. ففي هذه الفترة ظل السؤال النقدي والقرائي المطروح يدور حول ما إذا كان عزيز محمد سيواصل المشروع السردي الأوّل، أم سيغامر بتحوّل نوعي في أسلوبه وموضوعه، وقد تحوّل هذا الصمت إلى زمن انتظار واع، جعل العمل الثاني قبل نشره موضوع توقّعات دقيقة وفضول نقدي واسع. وبعد هذه المرحلة، صدر العمل الثاني بعنوان غرباء حميميون عن دار رشم للنشر سنة 2025 بدعم من مبادرة إثراء المحتوى العربي، وهو ما يعكس اهتمام المؤسّسات الثقافية بالكتابة السعودية المعاصرة ذات الطابع التجريبي العميق. إلّا أنّ العمل الثاني لم يحقق انتشارا مماثلا للرواية الأولى، وهو أمر يمكن تفسيره على مستويات متعدّدة، أهمّها اختلاف الأسلوب السردي والموضوعي؛ فبينما اعتمدت الرواية الأولى لغة مكثّفة وصادمة، قريبة من الحدث والقلق النفسي المكثّف، تحوّلت الرواية الثانية إلى سرد أكثر تأمّلا، غير خطّي، متشظ زمنيا، يقوم على استدعاء الذاكرة والتفكّر في تفاصيل الحياة اليومية، ما يجعلها أقل جذبا للقارئ الباحث عن صدمة أولى، لكنّها في المقابل تكشف نضجا سرديا وفلسفيا أعلى، وتطرح أسئلة أعمق عن طبيعة الاغتراب والوجود. كما تغيّر أفق الموضوع من اغتراب مرتبط بالسلطة والعبث الكوني في الرواية الأولى، إلى اغتراب داخلي وحميمي مرتبط بالعلاقات الإنسانية والزمن المنزلي والحميمية في الرواية الثانية، ما جعلها أكثر خصوصية محلّية وتتطلّب قراءة دقيقة لتقدير أبعادها، وهو ما حدّ من انتشارها التجاري والنقدي العالمي مقارنة بالرواية الأولى. وعلى الرغم من هذا التحوّل، تحتفظ الرواية الثانية بصلات واضحة مع الأولى، حيث ظلّ الموضوع الأساسي هشاشة الفرد في مواجهة محيطه سواء كان سلطويّا أو حميميا، واستمرّ الاعتماد على السرد النفسي الداخلي كثيمة مركزية، كما بقي الطابع الفلسفي والوجودي حاضرا، متدرّجا من الاغتراب الكوني إلى الاغتراب اليومي، مع التناص الكافكوي الرمزي الذي يظل مفتاحا لفهم الرحلة الوجودية للشخصية. وفي الوقت نفسه، تظهر الاختلافات الجوهرية بين العملين من خلال انتقال النص من القلق المكثف والمباشر إلى التأمّل الهادئ والمعقّد، وتحوّل البنية السردية من تكثيف الحدث نحو تكثيف الزمن الداخلي والذاكرة، بالإضافة إلى تغيّر نطاق القارئ المحتمل، إذ ينتقل من قارئ يبحث عن صدمة أولى إلى قارئ ينجذب إلى استبطان النفس وتفكيك الحميمية. كما يبرز تباين الانتشار، إذ لفتت الرواية الأولى الانتباه العالمي بسرعة أكبر، بينما تتطلّب الرواية الثانية قراءة أعمق لفهمها، ما حدّ من ترجمتها وانتشارها التجاري، رغم أهمّيتها النقدية والبلاغية. وهكذا تتضح قيمة غرباء حميميون بوصفها لحظة وعي وتحوّل في مشروع الكاتب، فهي لا تلغي ما سبقها، لكنها تعيد صياغة الأسئلة نفسها في سياق آخر، من مواجهة عبثية المرض إلى مواجهة هشاشة الحياة اليومية والاغتراب الحميمي، ما يجعل العمل الثاني امتدادا منطقيا لمشروع عزيز محمد، مع تحوّل واضح في الأسلوب والموضوع، مؤكّدا أنّ النضج الروائي لا يُقاس بالانتشار وحده، بل بمدى استطاعة النص إعادة طرح الأسئلة نفسها في ضوء أفق جديد. إنّ قراءة مسار عزيز محمد بين روايتيه توضّح كيف يتحوّل النجاح الأول إلى اختبار دقيق للاستمرارية والإبداع. فقد شكّل العمل الأوّل نقطة انطلاق قوية، تركت أثرا واضحا في المشهد الروائي السعودي والعربي، وفرضت على الكاتب تحدّيا مزدوجا: الحفاظ على صوته الفريد من جهة، وتوسيع أفق تجربته السردية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، أتت رواية غرباء حميميون ليست كنسخة من العمل السابق، بل كتجربة واعية للتفاعل مع مسألة الاغتراب والوجود من منظور جديد، حيث يتداخل الحميمي واليومي مع التأمّل الفلسفي، لتكشف الرواية عن قدرة الكاتب على تطوير أدواته السردية دون الانسياق وراء نجاح سابق. يمكن اعتبار هذا الانتقال من الصدمة الأولى إلى تجربة التأمّل المعقّد علامة على نضج إبداعي واستكشاف للغة السرد، والزمن، والذاكرة، ما يفتح المجال أمام دراسة أعمق لعلاقة النص بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه، كما يبيّن هذا المسار كيف يمكن لرواية ثانية أن تعيد طرح الأسئلة نفسها بوعي جديد، ما يجعل القراءة النقدية لها أكثر تعقيدا وثراء، ويضع النقاد والباحثين أمام إمكانية تحليل التباين بين الانتشار التجاري والجاذبية النقدية، كعامل لتقييم تطوّر المشهد الروائي السعودي الحديث. أمام هذه القراءة، يمكن القول إنّ مشروع عزيز محمد الروائي لا يكتفي بتقديم نصوص قائمة بذاتها، بل يمثّل مسارا مستمرا من البحث عن التوازن بين التجريب الفني والانفتاح على القضايا الوجودية والاجتماعية. ويترك هذا المسار الباب مفتوحا أمام استشراف أعمال مستقبلية، قد تتجاوز الحدود التقليدية للرواية السعودية، وتطرح أسئلة جديدة حول الذات والآخر، الاغتراب والحميمية، الزمن والذاكرة، بين المحلي والعالمي. وفي هذا الإطار، يصبح من الممكن للباحثين والقراء معا أن يتابعوا رحلة الكاتب كحالة نموذجية لفهم كيفية تطوّر التجربة السردية، ليس فقط على مستوى النص، بل على مستوى المشروع الفني ككل، مع ما يطرحه من إمكانيات جديدة للنقد والاستقبال والقراءة المقارنة. *ناقد تونسي