من أطرف ما انتشر مؤخرًا تعليمات نوعية يقدمها — للأسف — بعض من يفترض أنهم مختصون في الموارد البشرية، حول طريقة الحضور إلى المقابلات الوظيفية. تعليمات لا تتحدث عن فهم الوظيفة ولا عن معرفة المنظمة ولا عن طبيعة الدور المطلوب. بل عن: كيف تجلس؟ كيف تبتسم؟ هل تشرب الماء أم لا؟ ولماذا لا ينبغي أن تذكر السبب الحقيقي لمغادرتك عملك السابق؟ باختصار: كيف تكون شخصًا آخر لمدة أربعين دقيقة؟ هناك نصائح كاملة تُبنى على فكرة واحدة غير معلنة: لا تكن نفسك. لا تضع رجلًا فوق الأخرى. لا تتحدث بصراحة. لا تضحك كثيرًا. لا تبدُ واثقًا أكثر من اللازم. ولا تبدُ مترددًا أكثر من اللازم. ولا تبدُ إنسانًا طبيعيًا يحتاج التفكير قبل أن يجيب. كن النموذج الخيالي الذي يعرف الجميع أنه صُمّم أصلًا للمقابلات فقط. المفارقة أن لجنة المقابلة تعرف هذا جيدًا، تعرف أن الإجابات محفوظة، تعرف أن لغة الجسد متدرَّب عليها من فيديوهات قصيرة. وتعرف أن عبارة: «أبحث عن تحدٍ جديد” لم تكن سببًا حقيقيًا لأي انتقال وظيفي منذ عام 1998. ومع ذلك تستمر اللعبة. الباحث يؤدي، واللجنة تقيم الأداء، والطرفان يدركان أن ما يحدث غير حقيقي، ويستمر المشهد بثقة مؤسسية كاملة. الأغرب أن تجربة الأداء التمثيلي في المسرح أو السينما أكثر صدقًا من المقابلة الوظيفية. في تجربة الأداء: الممثل يؤدي دورًا.. ثم يستمر في أداء الدور نفسه لاحقًا. أما في المقابلة الوظيفية: المتقدم يؤدي دورًا.. ثم يُطلب منه في اليوم التالي أن يتوقف فورًا عن أداء هذا الدور ويبدأ العمل بشخصيته الحقيقية. ومع ذلك نتصرف وكأن المقابلة كانت مؤشرًا علميًا على ما سيحدث لاحقًا داخل المنظمة. ولا تتوقف المسألة عند لغة الجسد أو زاوية الابتسامة، هناك طبقة أخرى أكثر أناقة، طبقة “نظافة الملف”. وجود الشهادة المهنية يطمئن، وجود عدد مناسب من الدورات مريح، اكتمال المتطلبات الشكلية يعطي إحساسًا بأن الأمور تحت السيطرة. لكن قليلًا ما يُطرح السؤال البسيط: ماذا تعني هذه الشهادة فعلًا؟ وما الذي يفترض أن يعرفه حاملها تحديدًا؟ وما الذي يظهر منها في طريقة تفكيره وتحليله واتخاذه للقرار؟ غالبًا يكفي وجودها في السيرة الذاتية، أما محتواها.. فليس جزءًا من المقابلة أصلًا. جزء من المشكلة يقع على الباحث عن العمل عندما يصدق أن المقابلة اختبار طاعة شكلية وليس اختبار ملاءمة حقيقية، وأن الصراحة مخاطرة، وأن الشخصية المهنية يجب إخفاؤها، وأن أفضل إجابة هي الإجابة التي تعجب اللجنة وليست التي تمثله. لكن الجزء الآخر — وربما الأكبر — يقع على لجان المقابلات نفسها. حين تتحول المقابلة إلى تقييم انطباعي سريع: نبرة الصوت، طريقة الجلوس، زاوية الابتسامة، وعدد مرات شرب الماء. بدل أن تكون نقاشًا مهنيًا حول: كيف تفكر، كيف تقرر، كيف تختلف، وكيف تتحمل مسؤولية قراراتك. لأن هذه هي الأشياء التي تبقى بعد انتهاء المقابلة. المنظمات لا تحتاج موظفين مثاليين لمدة أربعين دقيقة، تحتاج أشخاصًا يمكن الاعتماد عليهم لسنوات. لا تحتاج إجابات صحيحة، تحتاج طريقة تفكير واضحة. ولا تحتاج حضورًا مسرحيًا متزنًا، تحتاج شخصية مهنية يمكن التنبؤ بها. ولهذا تحديدًا، أخطر ما يمكن أن يقدمه بعض المختصين اليوم هو تعليم المرشحين كيف يؤدون دور المقابلة، بدل أن يساعدوا المنظمات على تطوير طريقة إجراء المقابلة نفسها. المطلوب ليس تدريب الناس على إخفاء أنفسهم، المطلوب أن نتوقف عن إدارة المقابلات وكأنها تجربة أداء قصيرة. وأن نتذكر — في لحظة بسيطة جدًا من الواقعية المهنية — أن الطرف الآخر بشر، وأنه قد يرغب أحيانًا في شرب الماء.