سطوة الجمال الزائف وضياع المعنى الفطري.
في عصر الاستعراض الشامل ، الذي تحول فيه الإنسان من كائن حي إلى محتوى مرئي ؛ يمرُّ باللحظة وتمرُّ به السانحة فلايعيشهما فضلاً عن أن يستمتع بهما ، بل يكتفي منهما بالصورة التي يلتقطها ؛ وكأن أشياءه لاتكتسب قيمتها إلا إذا شُوهدت من قِبل الآخرين ، لاحينما يشعر بها فعلاً. هذا التزييف المستمر في النمط المعيشي يفتح فجوة هائلة بين الذات الحقيقية المتعبة ، وبين الذات الرقمية المثالية . وتكمن خطورة ذلك عندما يصبح كل شيء مفلتراً ومجملاً ، فيفقد معه الإنسان القدرة الحقيقية على تذوق الجمال الطبيعي البسيط . فنحن عندما نقارن كواليس حياتنا المُتعَبَة ، بعروض الآخرين المليئة بالبريق ، فإننا لانرتاح بذلك بقدر ما نستولد شعوراً مزمناً بالدونية . حتى الحزن الذي هو أحد أشد آلام الإنسان ، لم يسلم من تطاول يد الاستعراض ، فأصبح يُعرض بطريقة جمالية ، فقد الألم بسببها كيانه وصدقه ، وكل ذلك تضحية منّا بالعمق الحقيقي من أجل الظهور المجرّد !. حين يغيب الاعتزاز المتوازن بالذات ، يتحول الفرد إلى رجع الصدى لصورة الآخرين عوضاً عن كونه صورة مستقلة . فالمحاكاة العمياء التي تخاف من التفرُّد والتميز خشية رفض الآخرين لها ، ستجد نفسها مرغمة على الانقلاب نسخة مصورة عن غيرها لتُقبل !. هذا الضعف في الثقة حوّل تلك النُّسَخ إلى ما يشبه المرايا المتقابلة ؛ يقلد بعضها بعضاً ، في لهث ٍخلف نموذج المثالية المصطنعة الذي يؤدي إلى تحلل الشخصية ، فلا يعود صاحبها يعرف ماذا يحب فعلاً ، وماذا يفعل فقط لأن الآخرين يحبونه ، ولاشكّ أن هذا غياب للخصوصية وتضييع للهوية من أجل قوالب جاهزة ، جعل الثقة فيها مستمدة من الإعجابات “اللايكات “، وإعادة الإرسال”الريتويتات”، والتعليقات “الكومنتات “ !. إن الأسرة هي المصنع الأول لتشكيل الهوية ، فحين تتحول الرقابة المنزلية من توجيه واعٍ ومسؤول إلى صمت اختياري أو تخلٍ عن المسؤولية ، سيجد الطفل أو المراهق نفسه وحيداً أمام سيل من المحتويات المشوهة ، فالمشكلة اليوم أن بعض الأسر، بدلاً من أن تكون حائط صد ، أصبحت هي نفسها تمارس التقليد والمحاكاة بحثاً عن الظهور الاجتماعي ، مما يرسخ في أذهان الأبناء أن القيمة تكمن في المظهر والقبول الخارجي لا في المضمون والجوهر . فالمسؤولية الأسرية لاتقتصر على المأكل والمشرب والملبس ، بل تمتد إلى الحصانة التربوية والسلوكية ليعرف الأبناء كيف يفرزون الغث من السمين ، ويشعر الفرد منهم أن اختلافه الإيجابي ميزة وليس عيباً يحتاج لفلتر . من الناحية الواقعية ، لايمكن للوالدين أن يطلبا من الإبن عدم التقليد وهما بنفسيهما يطاردان كل “ترند” تافه !، فعندما تغيب الرقابة وتُستبدل بالتدليل الرقمي ؛ بإعطاء الطفل جهازاً ينشغل به ليرتاح الأبوان ، دون إدراك أنهما سلَّما مفاتيح عقله لغرباء وجهات مجهولة تعيد تشكيله وفق منهجها ومحتواها . إن الفوارق التعليمية والمنهجية الأسرية تلعب دوراً كبيراً في بناء وتشييد جدار الحماية الأسري ، فالمستوى التعليمي لايعني بالضرورة الشهادات الأكاديمية ، بل الوعي التربوي والفطرة الأصيلة التي تصون أبناءها من التقليد الكفيف ، في الوقت الذي قد تنجرف فيه أسر متعلمة خلف المظاهر والوهج الرقمي بحثاً عن الوجاهة . وكلما كانت الأسرة واعية ، تفتح باب الحوار مع الأبناء وتناقشهم في لماذا نقلد ، ومن نقلد ، وماذا نقلد ، لتبني لديهم ناقداً داخلياً ، كلما كانت الحصانة أقوى . أما الأسرة المقلدة ، التي تجعل من منصات التواصل مرجعاً ومساعداً لها في التربية والتوجيه ، فستمسي وأبناؤها ضحية للمحاكاة والمرجعية . أخيراً .. الأسرة هي الحصن الأول ، الذي بسقوطه -بالإهمال أو الغياب-، يكون الأبناء عرضة لأي تيار فكري أو سلوكي عابر ، وتصبح عقولهم ونفسياتهم أرضاً مكشوفة أمام أي مؤثر ، سواء كان مشهوراً يسوّق لقيم هابطة أو غرباء يحاولون استغلالهم . لكن وبالرغم من ذلك فإن إصلاح هذا الحصن ومعالجته ممكنة ، وليست بالشيء المعجز أو المستحيل ، لكن لابد لها من حضور فعلي من الوالدين وصداقة ذكية . فالوالدان اليوم ليسا مجرد مصدر للمال والعناية المادية فقط ، بل هما بوصلة الأبناء في العالم من حولهم ؛ لذا فإن الترميم يبدأ باستعادة الوقت المختطف ، من خلال تخصيص ساعات في البيت بلا شاشات ، ليعود صوت العائلة أعلى من صوت تلك الأجهزة وإشعاراتها ، وبالنزول لمستوى الأبناء واهتماماتهم ، بدلاً من الانتقاد المجرد لما يشاهدونه ، ومشاركتهم تلك المشاهدات لفهم كيف يفكرون ، ثم يأتي دور التوجيه الهادئ المتزن كصديق لا كسلطة ، وتفعيل المرشِّح الداخلي الذي يصفّي المدخلات ويفحصها ، بدلاً من المنع الذي يولد الإصرار والمعاندة . التربية هي أن تملأ قلب طفلك بك ، حتى لا يجد مكاناً لغرباء الإنترنت ؛ فلايمكن لأي شاشة أن تعوض لمسة توجيه أو جلسة حوار أسرية .